حرب أوكرانيا تدخل عامها الخامس في ظل مفاوضات ماراثونية تنتظر تنازلات استراتيجية

تتواصل العمليات العسكرية على جبهات متعددة وسط مؤشرات متباينة بشأن مسار الصراع، فبين تمسّك الطرفين بخطوط حمراء وتعثّر مساعي التسوية عند عقدة التنازلات الاستراتيجية تتواصل المعركة على أرض لا تزال حاسمة في حسابات الطرفين.
وتصر موسكو على تثبيت مكاسبها الإقليمية وفرض شروطها الأمنية، بينما ترفض كييف أي تنازل وتطالب بضمانات أمنية من واشنطن وحلفائها، وهو ما يجعل مسار السلام يترنّح بين إرادة الطرفين ومطالب الدول الداعمة لأوكرانيا.
وتضغط الولايات المتحدة لإبرام اتفاق قبل استضافة ترمب احتفالات ذكرى الاستقلال الأميركية، لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات على استعداد موسكو لقبول اتفاق لا يلبي مطالبها الجوهرية.
وتسيطر روسيا حالياً على نحو 19 إلى 20% من الأراضي الأوكرانية، بما فيها شبه جزيرة القرم ومعظم منطقة دونباس، إضافة إلى أجزاء واسعة من خيرسون وزابوريجيا وأجزاء من مناطق سومي وخاركريف ودنيبرو بيتروفسك، لكنها تشهد تباطؤاً في مكاسبها الميدانية خلال السنتين الأخيرتين بحسب تقديرات غربية.
وقد وصف الأمين العام للناتو هذه التطورات بأنها تشبه «سرعة حلزون الحدائق» مع تراجع أسرع للمسار في التقدم مقارنة بفترات سابقة، في حين تواصل موسكو تمسكها بمطالبها حتى في ظل الضغوط الدولية وارتفاع كلفة الحرب.
حرب استنزاف وتبدّل أساليب القتال
منذ مطلع عام 2025، شهدت الجبهات جموداً نسبياً وتحوّلاً من الهجمات المدرّعة الكبرى إلى حرب استنزاف تقودها الطائرات المسيَّرة، وتُقاس المكاسب فيها بمقدار أمتار وليس بمساحات كبيرة، وفق تحليل غربي يشير إلى أن روسيا لم تتمكّن من توسيع الأرض التي تسيطر عليها بشكل حاسم خلال ثلاث سنوات الماضية.
وتمثّلت خطوط المواجهة في وضع ثابت تقريباً بامتداد نحو 1200 كيلومتر، مع فشل كييف وموسكو في ترجيح كفتها بشكل حاسم، وهو ما دعا قادة المجتمع الدولي إلى دعوتهم إلى وضع حد لإراقة الدماء والتفكير في أطر تفاوضية توافقية.
وبرزت مسألة الأراضي كعقبة رئيسية في مفاوضات السلام، حيث تشدد روسيا على انسحاب القوات الأوكرانية من مناطق دونيتسك التي لا تزال تحت سيطرتها وتطالب بوقف أي توسيع للنطاق العسكري الأوكراني، فيما تتمسك كييف بإبقاء حقها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتعارض أي تنازلات تمس سيادتها.
كما شهدت هذه السنوات اعتماداً واسعاً على التهديدات النووية كأداة ردع، مع تلميحات مستمرة من روسيا بعدم التخلي عن قدراتها العسكرية الكبرى كوسيلة للضغط، وهو ما يعمّق الهوة بين الطرفين ويعقد فرص التوصل إلى وقف حقيقي لإطلاق النار.
الأطراف الدولية والدور السياسي والاقتصادي
فيما يخص الدور الدولي، استمر إطلاق صيغ العقوبات الأوروبية والضغوط الأميركية وتباين مواقف الحلفاء، حيث أكدت بعض الدول الأوروبية استمرار دعم أوكرانيا بموازنات كبيرة، بينما شهدت واشنطن تقليصاً جزئياً للمساعدة غير المشروطة مع تزايد الاعتماد على مساعدات من شركاء أوروبيين ودول أخرى، في حين قدمت روسيا وكييف مسارات تفاوضية متعددة عبر جولات ثلاثية تضمنت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.
وتشير تقديرات مؤسسات بحوث غربية إلى أن الدعم العسكري الأوروبي أصبح أساسياً لأوكرانيا، وتنتقل هذه المساعدات من دعم عتاد عسكري وذخائر إلى دعم مالي وسياسي لاستقرار الاقتصاد الوطني وتوفير إطار لتعزيز الصمود في الحرب المستمرة.
وتواصل كييف اقتراح إطار اقتصادي سياسي لتسوية النزاع، حيث تقترح واشنطن منطقة اقتصادية حرة في الشرق مع ضمانات أمنية تمنع هجوماً روسياً مستقبلاً، وتبقى قضية محطة زاباروجيا النووية شاغلة للمفاوضات رغم الإقرار بأن تقاسم السيطرة سيكون جزءاً من أي اتفاق محتمل، بينما ترفض كييف مشاركة مباشرة مع موسكو في إطار مشترك لإدارة المناطق المتنازع عليها.
وعلى صعيد المسار السياسي، عُقدت محادثات ثلاثية في أبوظبي وجنيف وأنقرة خلال الأشهر الماضية، وتناولت تبادلاً للأسرى وتفاصيل حول قضايا الحرب، لكنها لم تصل إلى تسوية نهائية أو وقف لإطلاق النار، إذ يصر كل طرف على صيغته وتفسيرات مواقفه، فيما يجري تراجع طفيف في التوقعات وتزايد الترحيب بالضغط الأميركي لاستئناف مسار تفاوضي عملي.
ويطالب بوتين بانسحاب كييف من أجزاء من دونيتسك وتنازُلها عن السعي للانضمام إلى الناتو وتخفيف جيشها وتمنح اللغة الروسية وضعاً رسمياً في بعض المناطق، وهي شروط ترفضها كييف بشدة، بينما تشدد الأخيرة على وقف إطلاق النار على خطوط التماس الحالية وتلقي ضمانات أمنية إقليمية ودولية تمنع أي هجوم روسي مستقبلي، والاحتفاظ بحقها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وصرف تعويضات الحرب وتبادل الأسرى.
وفيما تواصل كييف الحديث عن احتمال إجراء انتخابات رئاسية مع استفتاء على اتفاق السلام المحتمل، تلاحَظ ضغوط أميركية تدفع باتجاه ربط هذه الإجراءات بمسار تفاوضي أوسع يتضمن تنازلات من جانب كييف، في حين يؤكد زيلينسكي سعيه لإيجاد إطار يفتح باب الحوار مع روسيا ويجنب الحرب مزيداً من التكاليف، مع الإبقاء على الضمانات الداخلية والخارجية التي تحمي سيادة بلاده.
وتظهر قراءة المواقف أن الكرة في ملعب الجبهتين، وأن الأوروبيين يواصلون دور الوساطة والدعم، بينما تبقى مسألة شكل التفاوض والحدود الزمنية لمعارضة أو قبول أي تسوية مرتبطة بالضمانات الأمنية وتوازنات المصالح الوطنية للدول المعنية، وهو ما يجعل الوضع قابلًا للتعديل حسب التطورات وتحقيق مؤشرات ضعف أو قوة جديدة على أرض الواقع.




