الحرب في السودان تدخل عامها الرابع، وتتصاعد المعاناة الإنسانية وتتقلص آمال التسوية

تتفاقم الأزمة الإنسانية مع مرور عامها الرابع من الحرب في السودان، مع انهيار الخدمات الأساسية وتلاشي الأمل في تسوية سياسية قريبة.
وتستمر المعارك في مناطق متعددة، فيواجه ملايين السودانيين نيران القتال ويعانون الفقر والجوع وانعدام الأمن في واحدة من أسوأ الأزمات في المنطقة.
وتحذر منظمات الإغاثة من احتمال تفاقم الأزمة مع اتساع النزوح الداخلي وانهيار سلاسل الإمداد الغذائي، ما يزيد حافة المجاعة ويخاطر بتفشي الأمراض في قطاع الصحة.
وصف توم فليتشر، منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة، هذه الذكرى بأنها عام آخر من فشل العالم في مواجهة اختبار السودان، مضيفاً أن السودان أصبح مختبراً للحصار والحرمان من الغذاء والعنف الجنسي كأداة حرب.
أبعاد إنسانية وتداعيات محلية
تروي (هـ.ع)، أرملة تقيم شرق الخرطوم، أنها بقيت في منزلها مع أطفالها رغم نقص الغذاء والدواء، بما في ذلك الإنسولين، وتعيش الأسرة على الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية وسط تدهور أمني مستمر.
وقالت إن شقيقها قُتل داخل المنزل دون وجود رعاية طبية، ثم اضطروا للنزوح والعودة بدون تحسن ملموس في الأوضاع.
وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار سقوط ضحايا مدنيين في دارفور وكردفان نتيجة القصف والاشتباكات، مع تسجيل خسائر بشرية شبه أسبوعية.
وأدانت مسؤولون دوليون استهداف مدنيين في حوادث متفرقة، منها ضربة استهدفت حفل زفاف في شمال دارفور وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى وفق تقارير متطابقة.
واتهمت شبكة أطباء السودان قوى الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بالوقوف وراء قصف مدينة الدلنج في جنوب كردفان وما تسبب به من سقوط ضحايا وجرحى.
وتشهد البلاد تفشياً لأمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا بالتزامن مع تدهور الخدمات الصحية.
كما فاقمت الحرب في إيران معاناة السودانيين، فارتفع سعر الدولار من نحو 500 جنيه إلى نحو 4100 جنيه، وتضاعفت أسعار الوقود بشكل حاد مقارنة بما قبل الحرب الإيرانية.
وأفاد تاجر في بورتسودان بأن الدولار ارتفع من 500 إلى 4100 جنيه، وبلغ سعر لتر الجازولين نحو 6360 جنيهاً، فيما ارتفع سعر البنزين أيضاً إلى نحو 4724 جنيهاً.
ضغوط اقتصادية وتداعيات إقليمية
إلى جانب التداعيات الأمنية والإنسانية، يتصاعد الضغط الاقتصادي مع توقع صندوق النقد الدولي وصول معدل التضخم إلى نحو 56% في 2026.
وحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار الحرب قد يعيد الاقتصاد إلى مستويات الستينيات مع ارتفاع الفقر وربما نزوح ملايين إضافيين إذا استمر النزاع حتى 2030.
وكشف أن السودان خسر نحو 6.4 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في 2023، وإنزلق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع، مع تراجع الدخل إلى أدنى مستوياته منذ 1992، كما تجاوز عدد النازحين 13 مليوناً.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن التعافي سيظل بطيئاً حتى في سيناريو يفترض انتهاء النزاع بحلول 2026، مع توقع ألا يتجاوز متوسط النمو 1.2% حتى 2043.
وفي التمويل الإنساني، أوضح مسؤولو البرنامج وجود فجوة كبيرة، إذ لم تحصل الأمم المتحدة سوى على نحو 16% من إجمالي 2.9 مليار دولار مطلوبة لتقديم المساعدة لـ20 مليوناً من أصل 34 مليوناً بحاجة للدعم.
وقال لوكا ريندا، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن الأمم المتحدة طلبت 2.9 مليار دولار للعمليات في 2026 ولم تتلقَّ سوى 16% حتى الآن، ما يؤدي إلى تفشي الجوع وتدهور الخدمات وتراجع تعليم الأطفال.
وأكّد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل لدعم الفئات المتضررة، وأشار إلى أن مكتبه بلغ خلال 2025 نحو 1.75 مليون مستفيد من برامج الدعم.
الأطفال والنساء الأكثر تضرراً
أظهرت البيانات الرسمية وتقارير الأمم المتحدة أن الأطفال والنساء يدفعون الثمن الأكبر، فأعلنت وزارة التنمية الاجتماعية أن نحو 6 آلاف طفل تعرضوا لإصابات متنوعة خلفت إعاقات دائمة.
وكشفت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية عن توثيق 2500 حالة اغتصاب حتى الآن، مع صعوبة حصر الحالات في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، وأوضحت أن مكتبها وثّق 322 حالة استرقاق جنسي و92 حالة زواج قسري، و70% من الضحايا قاصرات، إضافة إلى 306 حالات اعتداء على طفلات دون عام.
وأكّدت بعثات تقصي الحقائق الأممية والإفريقية أن الإفلات من العقاب ما يزال السمة الغالبة مع دخول الحرب عامها الثالث، وأشارت إلى أن الانتهاكات الجسيمة والواسعة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان تتفاقم.
وحملت البعثتان قوات الدعم السريع والقوات المسلحة مسؤولية انتهاكات خطيرة، مع الإشارة إلى طابع منهجي للانتهاكات يشمل نهباً وعنفاً جنسياً واستهدافاً على أساس عرقي وتدميراً للنسيج الاجتماعي.
وحذّرت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون من تفاقم الكارثة مع اقتراب الحرب من عامها الرابع.
وأعلنت اليونيسف أن الأطفال لا يزالون الأكثر تضرراً، مع سقوط أو إصابة 245 طفلاً خلال أول 90 يوماً من 2026، بزيادة نحو 50% عن الفترة نفسها من 2025، وأكدت كاثرين راسل أن العنف ضد الأطفال غير مبرر ويمثل فشلاً جماعياً في حمايتهم.
ولدى مبادرة محلية طوعية توجه نحو 500 ألف طالب لأداء امتحانات الشهادة السودانية، تبقى مصير نحو نصف المتقدمين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع غير معروف.
تحولات ميدانية في مسار القتال
شهدت الحرب تحولات ميدانية في الأسابيع الأخيرة، إذ نجح الجيش في توسيع سيطرته في وسط البلاد فدفعت قوات الدعم السريع للتراجع نحو دارفور وكردفان غرباً.
فرضت قوات الدعم السريع حصاراً طويلاً على مدينة الفاشر انتهى بسيطرتها عليها، فيما أوردت تقارير أممية عن مجازر وانتهاكات واسعة بحق المدنيين، واضطر عدد من السكان إلى أكل علف الحيوانات خلال الحصار.
بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر، أظهرت مقاطع مصورة عمليات قتل منسوبة إلى ضباط وجنود تابعين لها، مما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على بعضهم، أبرزهم قائد بارز ظهر مراراً وهو يتفاخر بإطلاق الرصاص على مدنيين.
وفي وقت لاحق، قالت قوات الدعم السريع إن تلك التصرفات لا تقاس عليها كنهج عام، وأكدت إلقاء القبض على متورطين تمهيداً لمحاكمتهم.
وقبل نهاية العام الثالث من الحرب تركزت المعارك خصوصاً باستخدام الطيران المسير في كردفان ودارفور، وفتحت جبهة جديدة في أقصى جنوب شرق البلاد في الكرمك بإقليم النيل الأزرق، قبل أن تسيطر عليها.
ورأى اللواء المتقاعد أمين إسماعيل مجذوب أن أهم متغير خلال العام الثالث هو التحول من حرب المدن إلى قتال في الصحاري والجبال، ما يمنح الجيش خبرة إضافية وسلاح الجو ميزة كبيرة.
ولفت إلى أن المعارك الأخيرة كشفت عجز الدعم السريع عن المناورة، فاضطرت إلى الانسحاب من مدن في كردفان بعد سيطرتها مؤقتاً عليها، ويرى أن الانسحاب يعود إلى انشقاقات قيادية وتراجع الدعم الخارجي وتزايد المحاولات لتشتيت الجيش عبر جبهات جديدة كتلك في الجنوب الشرقي للوصول إلى الدمازين وخزان الرصيرص، لكن الجيش يبقى قادراً على إسقاط هذه المحاولات.
وتوقع مجذوب أن تكون منطقة النيل الأزرق الأكثر اشتعالاً في العام الرابع، مع الإشارة إلى أن نهاية القتال لم تتضح حتى الآن رغم وجود مؤشرات على إمكانية التغيير في موازين القوى.
مسار سياسي متعثر
بينما تتركز الأنظار في برلين حيث تستضيف قوى سودانية مدنية مؤتمراً تنظمه الخماسية، المعززة بتعاون الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومبادرة إيجاد، تتزايد الشكوك حول قرب التوصل إلى تسوية في ظل مقاطعة قوى رئيسية للفعالية.
وصف الباشا طبيق، وزير النفط في حكومة تأسيس ومشارك في الدعم السريع، مؤتمر برلين بأنه مجرد إعادة إنتاج للأزمة بلا حضور أصحاب المصلحة الحقيقيين، محذراً من أن أي مبادرة تتجاوز هؤلاء تمثل هروباً من الواقع وضجيجاً بلا معنى.
وتؤكد مصادر حكومية أن الدعم السريع لم يفِ بالتزامات اتفاق جدة وأنه يخضع لإملاءات خارجية وتكتيكات مناورة تعقّد فرص التوصل لتسوية، فيما يتهم الجيش الدعم السريع بالارتهان لأجندة التيار الإسلامي وهو ما ينفيه القادة.
وشدّد أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة، على ضرورة التخلص من الأوهام والسرديات التي تشوّه الوقائع، معتبرًا أن محددات الحل واضحة: رفض أي صيغة تمنح الدعم السريع شرعية سياسية أو عسكرية موازية للدولة، وتفكيك مخاطر المليشيات عبر الانسحاب من المدن ونزع السلاح الثقيل، ووقف الإسناد الخارجي، وربط أي وقف لإطلاق النار بآليات تحقق وإنسانية قابلة للتنفيذ، لا بإعلانات سياسية فضفاضة.
وأضاف فريد أن النهاية يجب أن تفضي إلى جيش وطني موحد واحتكار شرعي للسلاح، مع التأكيد على أن أي عملية سياسية لاحقة يجب أن تكون سودانية خالصة لا مفروضة من الخارج، مع الالتزام بمساءلة الانتهاكات الجسيمة.
وخلص إلى أن التسوية المقبولة هي التي تنهي التمرد دون شرعية لنتائجها أو إعادة إنتاج أسبابه، وأن الضغوط الخارجية لتقاسم السلطة أو إضفاء شرعية على وجود الدعم السريع ليست حلاً بل محاولة تمرير أجندات خارجية.
وفي المقابل، رأى محمد الأمين عبد النبي أن إنهاء الحرب يعتمد على توازن القوى والإرادة السياسية وتوفير دعم إقليمي ودولي وتماسك القوى المدنية، إضافة إلى تأثير التدهور الاقتصادي والإنساني وتماسك الأطراف أو تشظيها، مع الإصرار على دور مدني مستقل قادر على تقديم بديل سياسي موثوق.
وأشار إلى أن مؤشرات قرب نهاية الحرب قد تظهر تدريجياً عبر تراجع العمليات وتحول الخطاب من الحسم إلى الحل السياسي وفتح قنوات تفاوض رسمية أو غير معلنة، إضافة إلى محاولات توحيد المبادرات الدولية كما هو مقترح في مؤتمر برلين.
وحذر من أن دخول الحرب عامها الرابع قد يشكل محطة حاسمة، شرط توافر اتفاق واضح بأن الحسم العسكري ليس خياراً وتوافر دعم إقليمي ودولي وتوفر قوى مدنية قادرة على تقديم بديل سياسي، بما يسمح ببيئة تفاوض سلمية وتفعيل آليات المساءلة.
وأكد أن الدور المدني يزداد أهمية كلما تعثر الخيار العسكري، لكن نجاحه يعتمد على قدرته على التماسك والابتعاد عن الانخراط في صراعات الطرفين، ليلعب دوراً مستقلاً في تهيئة مناخ مناسب للوصول إلى اتفاق سلام.
وتؤكد مصادر أن الضغط الدولي المتزايد يسعى لدفع مبادرات سياسية وتعاون مدني لبلوغ اتفاق ينهي الحرب مع ربط أي اتفاق بآليات إنسانية ومسائلة الانتهاكات لحماية المدنيين في السودان.




