فوضى سوق النفط مرشحة للتفاقم بسبب خفض الإنتاج وإغلاق مضيق هرمز

تداعيات الحرب وتطورات السوق
يتفاقم الفوضى التي اجتاحت سوق النفط نتيجة الحرب الإيرانية وتداعياتها، إذ أدى ذلك إلى اضطراب غير مسبوق دفع كبار المنتجين إلى تقليص إنتاج الخام مع امتلاء مرافق التخزين.
انضمت الإمارات والكويت إلى العراق في خفض الإنتاج بعدما تراجع إنتاج العراق بنحو 60%، مع احتمال أن تقود خطوات مماثلة دولاً أخرى مع استمرار انخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز، ما يقلّص بسرعة عدد السفن الفارغة المتاحة للتحميل، فيما تتجه بقية مرافق التخزين البرية في المنطقة نحو الامتلاء بوتيرة أسرع.
ويُتوقع أن استمرار الإغلاق الفعلي للمضيق سيجبر جزءاً من الإنتاج على التوجه إلى ساحل البحر الأحمر في السعودية، مع تحول كميات قياسية من الخام نحو التصدير عبر هذا المسار، ما يعزز الضغط على السعات العالمية ويقلل من التدفقات عبر الخليج.
ارتفاع الأسعار وتوازنات السوق
اقتربت أسعار النفط من عتبة 100 دولار للبرميل، إذ تعهّدت إيران عدم الخوف من الضربات الأميركية والإسرائيلية، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستدرس استهداف مناطق جديدة في إيران وتتابع الضربات حتى يستسلم الطرف الآخر أو ينهار تماماً.
بالنسبة للمحللين والمتعاملين في السوق، يُشير هذا الوضع إلى احتمال تصاعد التحذيرات من أن الحرب تدفع الأسعار إلى نقطة تحوّل، مع تسجيل خام برنت ارتفاعاً بنحو 30% في الأسبوع السابق ليبقى قريباً من 100 دولار، في حين أغلقت عقود مربان عند 103 دولارات للبرميل وعُمان عند 107 دولارات، وبلغت أسعار خام الصين في بورصة شنغهاي الدولية للطاقة نحو 109 دولارات للبرميل عند احتسابها بالدولار الأميركي.
وذكر ستيفانو غراسو، متداول سابق في أسواق الطاقة ويشغل حالياً منصب مدير محافظ أول في صندوق 8VantEdge في سنغافورة، أن كل يوم إضافي من الاضطراب يزيد الضغط وأنه لا يوجد سقف فعلي للأسعار على المدى القصير في هذا السيناريو.
ما وراء الإشارات القريبة من المضيق والتوتر الأمني
إلى جانب ذلك، تبرز مخاطر على البنية التحتية النفطية وتواصل هذه التهديدات إحداث اضطرابات قد تستمر طولياً. فقد اعترضت السعودية طائرات مسيّرة كانت متجهة إلى حقل شيبة النفطي، فيما واصلت الهجمات الإيرانية على البحرين وقطر.
ينطلق الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز من أن القوافل المارة عبره تتقلّص بشكل ملحوظ، ومع ذلك أشارت بعض التقارير إلى استمرارية مرور ناقلات مرتبطة بإيران أو ناقلات ادّعت مصادرها الصينية خلال هذه الفترة، ما يعكس تعقيد وضع الملاحة البحرية في المنطقة.
أدى الإغلاق الفعلي للمضيق إلى انخفاض إنتاج العراق ليصل إلى ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يومياً مقارنة بنحو 4.3 مليون قبل اندلاع النزاع، بينما اتجهت السعودية إلى شحن كميات غير مسبوقة من الخام إلى ساحلها على البحر الأحمر، حيث ارتفعت الشحنات من موانئها الغربية إلى نحو 2.3 مليون برميل يومياً في هذا الشهر حتى الآن، وإن كانت هذه الكميات لا تزال أقل من نحو 6 ملايين برميل يومياً التي صدرتها السعودية من الخليج العربي في الأشهر الأخيرة.
إجراءات أميركية وتداعياتها على الأمن والتمويل
أعلنت الولايات المتحدة تعزيز الحماية المالية وربما توفير مرافقة عسكرية للسفن، وأطلقت برنامجاً لإعادة التأمين البحري لمنطقة الخليج العربي يغطي خسائر تصل إلى نحو 20 مليار دولار على أساس متجدد.
قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن سوق النفط تسعر حالياً علاوة الخوف، وإن الحرب ستتسبب في اضطراب مؤقت لحركة الشحن والأسواق، مؤكداً أن الجدول الزمني لعودة الأمور إلى طبيعتها قد يكون أسابيع لا شهور، حتى في أسوأ السيناريوهات.
لكن بالنسبة لمالكي السفن والمستأجرين العاملين في المنطقة، فإن تكلفة التأمين ليست العامل الرئيس، بل سلامة السفن وأطقمها ومرافقة بحرية كاملة، وهو ما يدفع إلى مطالبة بإجراءات حماية أشمل أو انتهاء الأعمال القتالية، وهو الخيار المفضل لديهم.
تشمل الإجراءات الأميركية الأخرى السماح للهند بالوصول إلى النفط الروسي المخزن في ناقلات عائمة في المنطقة، كما دعت واشنطن إلى سحب من الاحتياطي الاستراتيجي أو التدخل في أسواق العقود الآجلة، إلا أن المسؤولين قللوا من أهمية هذه الأفكار.
وكذلك تجاهل ترمب التهديدات التضخمية في الولايات المتحدة رغم ارتفاع أسعار البنزين، معلناً أن موجة الأسعار ستكون مؤقتة وأنها ستنخفض بسرعة لاحقاً.
آسيا وأوروبا وتبعات الأزمة العالمية
تتأثر آسيا بشكل رئيسي، فاليابان التي تحصل على أكثر من 90% من نفطها الخام من الشرق الأوسط تطلب السماح لها بالاستفادة من احتياطياتها الوطنية، بينما قد تخفض الصين صادرات الوقود للحفاظ على الإمدادات والسعر المحلي، وتدرس كوريا الجنوبية إعادة فرض سقف لسعر النفط للمرة الأولى منذ 30 عاماً.
في أوروبا الشمالية، ارتفع سعر وقود الطائرات إلى مستوى قياسي يصل إلى نحو 1528 دولاراً للطن، ما يعادل أكثر من 190 دولاراً للبرميل، وهو ارتفاع حاد بسبب الاعتماد الكبير للاتحاد الأوروبي على واردات عبر مضيق هرمز.
سيناريوهات استمرار الاضطراب وتوقعات الأسواق
يرى محللو بنك ING Groep أن السيناريو الأساسي الآن يتمثل في أربعة أسابيع من الاضطرابات، مع توقعات بأن تتباين الوتيرة بين أسبوعين من الاضطراب الكامل وأسبوعين من انخفاضه بنسبة 50%، وفق ما قاله وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في البنك سنغافورة.
وأضاف أن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الصراع خلال هذه الفترة، لكن إذا نجحت الضربات الأميركية والإسرائيلية في إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن وفتح مضيق هرمز، فقد تعود التدفقات إلى طبيعتها تدريجياً.
أما السيناريو الأشد تطرفاً بحسب البنك فيتمثل في تعطّل كامل لتدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال لمدة ثلاثة أشهر، وهو احتمال قد يدفع الأسعار إلى مستويات تاريخية خلال الربع الثاني من العام.




