قيود الصين على الشركات اليابانية: هل القلق من تايوان أم بداية مواجهة أوسع؟

تصعيد صيني يفرض قيوداً جديدة على كيانات يابانية وتوتر متصاعد مع طوكيو
فرضت الصين قيوداً جديدة على عشرين كياناً يابانياً عبر إدراجها في قائمة ضوابط التصدير للمواد ذات الاستخدام المزدوج، ما يعني أنها ستخضع لمراجعات ترخيص أكثر صرامة عند شحن سلع قد تكون لها استخدامات مدنية وعسكرية معاً. كما أضافت وزارة التجارة الصينية عشرين كياناً آخر إلى قائمة المراقبة، معتبرة أن هناك صعوبة في التحقق من المستخدمين النهائيين والاستخدامات النهائية لبعض المنتجات الحساسة ذات الاستخدام المزدوج.
هذه الخطوة الصينية هي الأولى من نوعها لإدراج شركات يابانية في سجل ضوابط التصدير منذ إطلاقه في يناير 2025، وتبرز قلق بكين من حراك الحكومة اليابانية لإعادة التسلّح وامتلاك أسلحة نووية. وتأتي هذه التطورات قبل إدلائها رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي تاكيتشي بتصريحات في البرلمان حول أن أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يشكل تهديداً وجودياً لليابان، وهو ما قد يبرر التدخل العسكري وفق وجهة نظر بعض المتابعين.
لم يُخفِ مسؤول صيني، لم يكشف عن هويته، سعي بلاده للضغط على رئيسة الوزراء اليابانية للتراجع عن تصريحاتها المتعلقة بتايوان، فيما ردت اليابان على تحديث الصين لضوابط التصدير باستياء شديد وبتأكيد أنها ستقيم تأثير هذه الإجراءات وتدرس الردود اللازمة، بينما أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية أن الهدف هو وقف محاولات اليابان لإعادة التسلّح وحيازة أسلحة نووية، وأن ما تفعله الصين مشروع ومبرر وقانوني.
وقال مسؤولون صينيون في تصريحات لـ”الشرق” إن هذه الخطوة تبعث رسالة ثابتة بأن موقف الصين من تايوان لن يتبدل، في حين قال خبير عسكري صيني إن الكيانات العشرين الخاضعة لقيود التصدير ليست كيانات تجارية عادية بل جزءاً أساسياً من سلسلة الصناعة الدفاعية والصناعات ذات الاستخدام المزدوج في اليابان وتؤثر في مجالات مثل الصناعات الثقيلة والفضاء والالكترونيات الدفاعية والبحثية الأساسية.
ومن جهة اليابان، أشارت تقارير إعلامية إلى أن إجراءات الإدراج المنسقة تعكس تعزيزاً صينياً لإجراءات مضادة ضد إدارة تاكايتشي وتطمح إلى حماية الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، بحسب تحليل مصادر رسمية وخصوصاً تصريحات محلية واستقصاءات متداولة في وسائل الإعلام اليابانية.
تحديد الكيانات المدرجة وقائمة المراقبة والتحولات المرتبطة
تشير البيانات المتوافرة إلى أن خمس شركات تابعة لمجموعة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة تعمل في مجالات بناء السفن والمحركات والآلات البحرية قد أُدرجت على قائمة ضوابط التصدير، كما ضمت القائمة ست شركات تابعة لمجموعة IHI في قطاعات الفضاء الجوي والمحركات، إضافة إلى كيانات أخرى مثل اليابان مارين يونايتد وكاواساكي للصناعات الثقيلة– أنظمة الفضاء الجوي وفوجيتسو للدفاع والأمن الوطني، إلى جانب الأكاديمية الوطنية للدفاع في اليابان ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية JAXA، وهي مؤسسات يمكن تفكيك تقنياتها الفضائية لاستخدامات عسكرية.”
وتوضح التقارير أن ما يزال ضمن نطاق قائمة المراقبة كيانات أخرى بارزة، بينها سوبارو وفوجي لتكنولوجيا الفضاء الجوي وإينيوس ويوسوكي وإيتوتشو للطيران وليدا غروب ومعهد العلوم في طوكيو وميتسوبيشي للمواد وTDK ومجموعة أخرى من الشركات والتجمعات الصناعية والتقنية، مع الإشارة إلى وجود أسباب تتعلق بعدم القدرة على التحقق من المستخدمين النهائيين والاستخدامات النهائية لهذه المنتجات الحساسة.
وتؤكد التحليلات أن الكثير من هذه الكيانات هي أعضاء في قطاعات حيوية للصناعات الدفاعية والبحثية في اليابان، ما يجعل الوضع حساساً من منظور الأمن القومي والاستقرار التكنولوجي والاقتصادي بين البلدين، خاصة في سياق سلاسل توريد تعتمد بشكل كبير على تقنيات ومواد ذات استخدام مزدوج.
قلق اليابان من المعادن الأرضية النادرة وتداعيات الاعتماد
يثير مسار التوتر أيضاً قلقاً يابانياً بشأن المعادن الأرضية النادرة، فمع أن القضية لم تُذكر صراحةً كإجراء حظر شامل، فإن العناصر الأرضية النادرة الثقيلة الداخلة ضمن فئة المواد ذات الاستخدام المزدوج تخضع بشكل أساسي لقيود الصين في ظل اعتماد طوكيو على الصين في جزء كبير من وارداتها من هذه العناصر، رغم أن اليابان تملك سلسلة توريد خاصة بالعناصر الأرضية النادرة الخفيفة. وتقدر مصادر أن الاعتماد على الصين في بعض أنواع هذه العناصر يظل واسعاً، مع وجود جهود يابانية لت Diversify التوريد وزيادة الاعتماد على مصادر أخرى، رغم أن التحديات المرتبطة بتوفير بدائل تظل قائمة.
وفي إطار ذلك، يشير خبراء إلى أن زيادة الاعتماد على الصين في موارد ثقيلة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، المستخدمين في محركات قوية ومغناطيسات نيوديميوم وتطبيقات صناعية عدة، يجعل اليابان تشعر بقلق كبير من وضع سياسات الصين إلى جانب سياسات أخرى تشهدها العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتدعو الشركات إلى اتخاذ “نهج مناسب” لحماية سلسلة الإمداد في ظل التوتر القائم وتغير سياسات التجارة.
تصعيد صيني وخيارات التصعيد وتطورات لاحقة
يرى خبراء أن الجولة الراهنة من قيود التصدير لا تلقى ضربة كبيرة في القطاع الخاص بشكل عام لأنها تستهدف عادة كيانات مرتبطة بالدفاع، لكنها تحمل تحذيراً بأن الصين لديها خيارات إضافية لاستهداف شركات خاصة إذا تصاعدت تصريحات اليابان أو تحركاتها العسكرية، وهو ما قد يعقد العلاقات الاقتصادية الثنائية أكثر. وخلال السنوات الأخيرة، شددت اليابان قيوداً على صادرات معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين وأدخلت آلية قائمة ضوابط التصدير في 2025، ولا يزال الوضع في حيز التقييم والتبدل بحسب التطورات السياسية والاستراتيجية بين البلدين.
وفي أوائل فبراير 2026، وسّعت اليابان قائمتها بشكل كبير، مضيفةً 42 كيانا صينياً ليصل إجمالي عدد الشركات الصينية الخاضعة لقيود التصدير اليابانية إلى نحو مئة وعشرة كيانات، مع تركيز على مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطباعة الحجرية والحوسبة الكمّية. ويؤكد محللون أن عمق الترابط الاقتصادي بين الصين واليابان كلاً من كونه أكبر الشركاء التجاريين لليابان يوفر زخماً كبيراً للعلاقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد إذا ما اختارت بكين توسيع نطاق إجراءاتها بشكل أوسع لحماية أمنها القومي والتزامات منع الانتشار النووي.




