إسرائيل تنهي ما تبقى من أوسلو: تغيير يومي في الواقع يحصر الفلسطينيين في كانتونات مغلقة

الوضع في الضفة الغربية بعد الحرب
تواجه الفلسطينيون واقعًا جديدًا وغير مسبوق نشأ خلال الحرب التي ستسجلها التاريخ كأكثر الحروب دموية ودمارًا في هذه البلاد. شهدت الضفة الغربية توسعًا استيطانياً استغل الحرب ليبتلع جزءًا واسعًا من الأرض، حيث شن المستوطنون بدعم الجيش حملة تهجير واسعة طالت عشرات التجمعات في المناطق الريفية المصنَّفة ج، والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة، فأقاموا مكانها بؤرًا استيطانية رعوية تديرها ميليشيات مسلحة من المستوطنين بمساعدة الجيش وحمايته.
نظام الكانتونات وآثار القيود
إلى جانب ذلك، أغلق الجيش التجمعات والمدن بنقاط تفتيش وبوابات معدنية، ففرض نظام الكانتونات المنفصلة والمحاصرة في مناطق مكتظة، يقيد الحركة اليومية والتوسع المستقبلي. ورغم توقف الحرب، لم تتوقف الإجراءات الإسرائيلية التي نشأت خلال الحرب وتواصلت، مثل منع العمال الفلسطينيين من العمل في إسرائيل. قبل الحرب كان يعمل في إسرائيل أكثر من 200 ألف فلسطيني، بإيرادات شهرية تصل إلى نحو مليار شيكل.
التداعيات الاقتصادية والمالية
أحدث هذا المنع ركودًا عميقًا في الاقتصاد الفلسطيني الذي تراجع بنسبة 24% في العام الماضي، وارتفعت البطالة إلى 28% في الضفة الغربية و80% في غزة بحسب الجهاز المركزي للإحصاء. استهداف السلطة الفلسطينية طال أيضاً الإيرادات، فاحتجزت إسرائيل منذ مايو الماضي كامل الإيرادات الجمركية التي تشكل نحو 70% من إيراداتها العامة، وترافقت مع دعاوى تعويضات مالية باهظة في إسرائيل وخارجها بلغت 475 دعوى قيمتها 65 مليار شيكل، وهو ما تعجز السلطة عن تحمله.
أزمة الديون وخدمات الدولة
لجأت السلطة إلى قروض بنكية واستنزفت صندوق التقاعد وتجاوزت الحدود في الاقتراض، فبلغت المديونية العامة أكثر من 15 مليار دولار، ما يجعلها غير قادرة على التوجه إلى خيار الاستدانة في المستقبل. وأدت هذه الإجراءات إلى تراجع الخدمات الحكومية واضطرار السلطة إلى تقليل دوام المدارس إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا والعيادات إلى يومين فقط، مع أن السلطة كانت تدفع 60% من رواتب الموظفين في السنوات الأخيرة، وهو ما قد لا تستطيع الاستمرار به في الشهور القادمة.
تقويض السلطة ومآلاتها المحتملة
وفي ظل استمرار هذه الإجراءات، ظهرت مخاوف حقيقية من أن إسرائيل تعمل على تقويض السلطة الفلسطينية بهدف تغييرها إلى سلطة خدماتية لا علاقة لها بالسياسة. وأكد عدد من كبار المسؤولين في مقابلات مع «الشرق» أنهم يراقبون احتمال استمرار الضغط والحصار المالي لدفعها نحو الإفلاس وعدم القدرة على دفع الرواتب والمصاريف، محذرين من مسار قد يقود إلى تعيين لجنة بديلة لها كما جرى في غزة، أو إجبار القيادة الحالية على تغيير وظيفتها والتخلي عن الدور السياسي لصالح دور خدماتي.
تغيير الواقع القانوني وخطط التهويد الاستيطاني
وترافقت هذه الإجراءات مع خطوات لتغيير النظام القانوني في الضفة يتيح تكثيف الاستيطان وتوسيعه ليشمل أجزاء من المناطق الخاضعة لسلطة السلطة والتي تشكل نحو 40% من مساحة الضفة. وفي فبراير، وبعد نحو أربعة أشهر من توقف الحرب في غزة، اتخذت الحكومة الإسرائيلية سلسلة قرارات منها تسجيل الأراضي في الضفة وإعادة فرض القانون الإسرائيلي على المواقع الأثرية والتراثية والبيئية ومصادر المياه الواقعة في مناطق السلطة، والسماح للمستوطنين بالتملك الفردي للأراضي وفتح سجلات الأراضي أمامهم. ولم يخف مبادروش مثل تسلئيل سموتريتش ويسرائيل كاتس أن الهدف هو إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية وتخصيص أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة للسيطرة والاستيطان والضم الفعلي دون السكان.
وتفتح هذه القرارات الطريق أمام نبش كل مساحة من الأرض في الضفة الغربية، وتحديد ملكيتها ومصادرة ما لم يُسجل منها ووضع اليد على الأراضي العامة ونقلها لمشروعات الاستيطان. وتفاخر سموتريتش بأن حكومته رخصت إقامة حوالي 70 مستوطنة جديدة في السنوات الثلاث الأخيرة، وشرعت عشرات البؤر الاستيطانية التي باتت في طريقها للتحول إلى مستوطنات رسمية. ولدى سموتريتش خطة معلنة تحت مسمى «خطة الحسم» تهدف لضم 82% من مساحة الضفة الغربية، وحصر الفلسطينيين البالغ عددهم 3.5 مليون داخل تجمعاتهم. وتلقى هذه الخطة قبولًا من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يرى تفويضًا كاملاً لتطبيقها دون إعلان رسمي عن الضم. وشملت إجراءات الضم في العامين الأخيرين شق طرق جديدة تربط شمال إسرائيل بجنوبها، ومشروعات طاقة تزوّد إسرائيل بنحو 20% من احتياجاتها، وتطبيق القانون المدني الإسرائيلي على أجزاء واسعة من الضفة.
واقع الأرض و“وطن صغير واستيطان كبير”
تبلغ مساحة الضفة الغربية أقل من 6 آلاف كيلومتر مربع، وتقسيمها وفق اتفاق أوسلو عام 1993 إلى المناطق: أ تحت إدارة السلطة أمنياً ومدنياً، وب تحت إدارة السلطة مدنياً وتخضع أمنياً للإدارة الإسرائيلية، وج هي الأكبر وتضم 60% من المساحة وتخضع لإدارة إسرائيل أمنياً ومدنياً. تركّز التوسع الاستيطاني بعد أوسلو في المنطقة ج، لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية بدأت منذ العام الماضي إقامة بؤر في المنطقة ب الواقعة تحت إدارة السلطة. وثقت منظمات حقوق إنسان إسرائيلية إقامة 7 بؤر استيطانية في محافظتي بيت لحم ورام الله، وهو إعلان واضح عن انتهاء حدود أوسلو وبداية عهد جديد عنوانه الضم والتغيير الديموغرافي.




