زعيمة فنزويلا الجديدة تسعى لتعزيز سلطتها في ظل تحديات داخلية

بدأت الأيام الاثني عشر التي تلت اعتقال مادورو بإجراءات تعزز سلطة القائمة المؤقتة بقيادة ديلسي رودريجيز، عبر تعيين موالين لها لحماية نفسها من التهديدات الداخلية وتلبية مطالب الولايات المتحدة بزيادة إنتاج النفط.
تتمتع رودريجيز (56 عاماً) بخبرة تكنوقراطية هادئة لكنها صرامة، إذ شغلت منصبي نائب الرئيس ووزيرة النفط قبل الإطاحة بمادورو.
عينت رودريجيز أيضاً محافظاً سابقاً للبنك المركزي في حكومتها للمساعدة في إدارة الاقتصاد، ورئيساً لديوان الرئاسة، فضلاً عن رئيس جديد لجهاز المخابرات العسكرية الذي تشكل على مدى عقود بمساعدة كوبا.
وسيتولى الميجر جنرال جوستافو جونزاليس رئاسة الجهاز الآن، وهي خطوة وصفتها ثلاثة مصادر بأنها “مناورة بادرتها رودريجيز” لمواجهة ما يعتبره كثيرون التهديد الأكبر لقيادتها، المتمثل في ديودسـادُو كابيو.
تُعدّ الخطوة جزءاً من جهود رودريجيز لإصلاح القوات المسلحة بإقالة بعض الأفراد وتعيين مسؤولين جدد، وفقاً لمصدر مقرب من الحكومة قال إنّها تدرك تماماً أنها لا تملك القدرة على البقاء دون موافقة الأميركيين.
وكشفت مقابلات مع سبعة مصادر في فنزويلا تفاصيل لم تُنشر من قبل عن الانقسامات الحادة في قلب الحكومة والتهديدات التي تشكلها رودريجيز في سعيها لترسيخ سيطرتها مع الالتزام بمطالب إدارة ترمب بشأن مبيعات النفط.
وأكدت رودريجيز في أول خطاب رئيسي لها منذ توليها المنصب الوحدة الوطنية، وأكدت ولاءها كنائبة لمادورو، وتعهّدت ببدء فصل جديد في السياسة النفطية من خلال زيادة الاستثمارات.
تمتلك رودريجيز علاقات واسعة في قطاع الأعمال وتتمتع بنفوذ في مفاصل السلطة المدنية بما في ذلك قطاع النفط، وتلقى الآن دعم الولايات المتحدة.
وتأكد هذا الدعم مجدداً الخميس عندما استقبلت رودريجيز مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف في كراكاس.
فصيل يقوده كابيو
يقود كابيو فصيل الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم، وهو جندي سابق قدم برنامجاً أسبوعياً مدته أربع ساعات على التلفزيون الرسمي استمر لمدة 12 عاماً.
وكان أول ظهور له بعد اعتقال مادورو على الشاشة وهو يرتدي سترة واقية من الرصاص ومحيط بحراس مسلحين وهو يهتف: “الشك خيانة”.
وأفادت أربع مصادر مطلعة بأن مسؤولين في إدارة ترامب كانوا على اتصال مع كابيو قبل أشهر من اعتقال مادورو، وأنهم ما زالوا على تواصل معه منذ ذلك الحين، محذرين إياه من استخدام الأجهزة الأمنية أو عصابات كوكتيفوس لاستهداف المعارضة.
كابيو، الذي سُجن في فنزويلا لدعمه الرئيس الاشتراكي هوغو تشافيز في محاولة انقلاب فاشلة عام 1992، يواجه اتهامات في الولايات المتحدة، وورُصدت مكافأة تبلغ 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض عليه.
حتى الآن، يبدي كابيو موقفاً تصالحياً تجاه رودريجيز قائلاً إنهــما “متحدان للغاية”، وكان حاضراً في الخطاب الوطني الخميس مع القائمة بأعمال الرئيس وشقيقها خورخي رئيس الجمعية الوطنية. لكن مصادر مطلعة على علاقتهما ذكرت لرويترز أن كابيو يظل التهديد الأكبر لقدرتها على الحكم.
تسود في كراكاس حالة من التوتر بين قوات الأمن، فبعد ساعات قليلة من أداء رودريجيز اليمين سُمع دوي نيران أسلحة مضادة للطائرات خارج القصر الرئاسي، اعتبره البعض هجوماً أميركياً آخر.
إلا أن التقارير أشارت إلى أن الحادث كان التباساً وقع بين الشرطة والحرس الرئاسي الذي أسقط طائرات مسيرة تابعة للشرطة، فيما قالت الحكومة إن المسيرات كانت طائرات تجسس دون توضيح الجهة التي أرسلتها.
على مستوى البلاد، يعيش المواطنون حالة من الصدمة جراء اعتقال مادورو، وتتباين مشاعرهم بين التفاؤل والخوف؛ وفي بعض المناطق طلبت فروع الحزب الاشتراكي المحلية من أعضائها التجسس على جيرانهم والإبلاغ عن أي شخص يحتفي بسقوط مادورو.
“دمية واشنطن”
يتعين على رودريجيز إقناع الموالين بأنّها ليست دميّة في يد الولايات المتحدة، وأنها قادرة على قيادة البلاد دون التخلي عن مصالحها، كما عليها تحقيق استقرار الاقتصاد الذي شهد ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع الأساسية منذ الهجوم الأميركي، وفتح مسارات جديدة للسيطرة على شبكات المحسوبية المرتبطة بالجيش، التي نمت على مدار عقود خلال حكم التيار اليساري الشعبوي.
يوجد في فنزويلا ما يصل إلى ألفي جنرال وأميرال، وهو عدد يفوق بمرات القوات الأمريكية، ويسيطر كبار الضباط والمتقاعدون على توزيع المواد الغذائية والمواد الخام وشركة بتروليوس دي فنزويلا الحكومية، بينما يشغل عشرات الجنرالات مناصب في مجالس إدارة شركات خاصة.
ويمكن لعديد من المسؤولين إدارة مناطقهم كما يريدون، حيث يأمرون جنوداً تحت قياداتهم بإقامة دوريات ونقاط تفتيش، وهو ما يزيد من نشاط الأجهزة الأمنية منذ اعتقال مادورو.
عمل جونزاليس، الرئيس الجديد لجهاز المخابرات العسكرية، على مساره المهني بشكل وثيق مع كابيو، خصوصاً خلال فترتين قضاهما رئيساً لجهاز المخابرات المدني المنفصل.
ومع ذلك، يظل جونزاليس مديناً لرودريجيز بتعيينه في مناصبه السابقة، ففي عام 2024 عينه في منصب رفيع في شركة النفط الحكومية، أهم شركات فنزويلا ومحرك اقتصادها.
وتظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة جونزاليلس على ممارسة نفوذه على الوكالة، وقالت ثلاث مصادر إن حلفاء كابيو داخل الوكالة قد يقوضون سلطته. بلغة عربية مبسطة، يظل التهديد من داخل الوكالة قائماً.




