اقتصاد

اقتصاد المقاومة: إيران بين الثبات والانهيار في خضم الحرب الأميركية الإسرائيلية والتصعيد المتواصل

تعاني إيران اقتصادياً منذ عقود من تضخم مستمر وتراجع دائم في قيمة العملة وتباطؤ في النمو نتيجة العقوبات المفروضة على طهران.

وتصاعدت الضغوط مع تواصل الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر 2025 حين سجلت العملة تراجعاً تاريخياً مقابل الدولار في السوق الموازية ليصل سعر الصرف إلى نحو 1.5 مليون ريال للدولار، معبّراً عن غضب شعبي من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتحدٍ مباشر للنخبة الحاكمة.

وبفعل العقوبات وسياسات توجيه الموارد لعقود للمراكمة على السلاح وتدبير الوكلاء الإقليميين، أنهك الاقتصاد الإيراني في بلد غني بالموارد الطبيعية.

وتأثرت الحركة الاقتصادية في الداخل بالحرب الدائرة، حيث تزامنت الأسابيع الأولى من الحرب مع أيام النوروز التجارية، لكن القصف المتكرر للمدن خصوصاً طهران أضعف النشاط الاقتصادي.

كما أن قطع الإنترنت الدولي لدواعٍ أمنية منذ بداية الحرب أثر سلباً في الشركات ذات الارتباطات الخارجية وتلك التي تعتمد على المبيعات الإلكترونية.

وتفاقمت المؤشرات مع مرور أسبوع الحرب الخامس، حيث وردت تقارير عن تعطل العديد من أجهزة الصراف الآلي وانقطاعات متكررة في الخدمات المصرفية الإلكترونية، وهو ما يؤثر في الحركة التجارية والمالية.

وتضررت التجارة الخارجية الإيرانية بشدة، وخصوصاً في مجالي النقل البحري والجوي، ما قد يترك آثاراً كبيرة على المؤشرات الاقتصادية الكلية في الفترة المقبلة، وتظل بورصة طهران مغلقة منذ بدء الحرب حتى الآن.

اقتصاد المقاومة وتحدياته في مواجهة الحرب

على مدى أكثر من أربعة عقود سعت إيران لبناء ما تسميه اقتصاد المقاومة كإطار يساعد على تحمل الصراعات والعقوبات، مع نشر مئات محطات توليد الطاقة واستخدام نظام المقايضة لتجاوز العقوبات عبر تصدير النفط.

لكن مدلول هذه الاستراتيجية يواجه اختباراً حاسماً بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل آلاف الضربات الجوية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، استهدفت قيادات وبنى تحتية حيوية بما في ذلك مستودعات الوقود ومجمعات الغاز الكبرى وأحد البنوك.

وتشير تقارير من بعض المدن الإيرانية إلى أضرار استثمارية جسيمة في مجمعات صناعية كبرى، منها مصانع صلب بارزة في البلاد تعرضت لضربات أثناء الحرب.

تضخم غير مسبوق قبل الحرب وتداعياته اليومية

كان التضخم قبل اندلاع الحرب قد بلغ أرقام غير مسبوقة في أسعار الغذاء، حيث سجل 105.5% سنوياً، مما فاق وتيرة التضخم العامة ورفع تكلفة المعيشة للمحكومين بالغذاء كجزء كبير من إنفاقهم، في حين بلغ التضخم العام 68.1% سنوياً، مع ارتفاع شهري في ديسمبر بلغ 9.4% وهو الأعلى منذ يونيو 2022.

وضع الوقود والإمدادات الحيوية في أتون الحرب

شنت إسرائيل في 6 مارس 2025 هجمات طالت عدة مخازن وخزانات نفطية في طهران ورياض جنوب العاصمة وكرج غربها، ما أدى إلى اضطراب في إمدادات الوقود وظهور طوابير في محطات البنزين، بينما ارتفع الطلب على البنزين والديزل يومياً بنحو 34 إلى 40 مليون لتر في مناطق مثل طهران والبرز.

وقررت الحكومة خفض الحصة اليومية للبنزين لكل سيارة في طهران من 30 لتراً إلى 20 لتراً، وهو ما يعكس تحديات كبيرة في إمدادات الطاقة ويضيف ضغوطاً إضافية على المستهلكين.

إلى جانب ارتفاع الأسعار، شهدت المواد الغذائية والأدوية نقصاً رغم استثناء بعضها من العقوبات رسمياً، لكن القيود المصرفية والتجارية والتعقيدات في التحويلات المالية حدّت من قدرة الشركات على التعامل مع إيران، ما أدى لارتفاع أسعار الأدوية وتكاليفها بما في ذلك أدوية السرطان والأمراض المزمنة.

سلامة الطيران والأنشطة التجارية والقرارات الإقليمية

تفاقمت مشاكل سلامة الطيران نتيجة القيود على التعاملات التجارية الخارجية التي حُدِّدت بسبب العقوبات، ما حرم شركات الطيران الإيرانية من شراء طائرات جديدة أو قطع غيار أساسية.

وفي سياق الحرب والإقليم، وجّهت إيران مواردٍ كبيرة لدعم حلفائها في المنطقة، وهو ما اعتبره كثير من الإيرانيين تكديساً للإنفاق الخارجي على حساب الإنفاق الداخلي وتآكل القدرة الشرائية وفرص العمل.

تطورات إقليمية وردود دولية وتداعياتها الاقتصادية

بعد أسابيع من الحرب، أشار الإعلام الإسرائيلي إلى مرحلة تسمى “مرحلة الاستكمال” في ضرباته الاقتصادية المستهدفة للبنية التحتية الإيرانية في طهران ومواقعها الاستراتيجية، بما في ذلك استهداف بنى تحتية للغاز ومصانع صلب كبرى، في حين أكدت تقارير أمريكية وإسرائيلية خطط لضرب مواقع اقتصادية إضافية في إيران.

إلى جانب ذلك، تابعت واشنطن جهودها لإعادة فتح مضيق هرمز مع استعدادها لخيارات برية محتملة، بينما أبلغت إيران بأن لديها خطوطاً دفاعية اقتصادية واستخبارية واسعة وتؤكد قدرتها على الرد عبر وسائل متعددة.

أما ردود الفعل الدولية فامتدت إلى روسيا التي أكدت ضرورة وقف التصعيد الأمريكي الإسرائيلي، وألمانيا وإيطاليا اللتان ناقشتا تشويهات التصريحات الأمريكية وقلقاً من تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي والهجرة، بينما حذر صندوق النقد الدولي من حالة من عدم اليقين بسبب الحرب وطلب إجراءات حاسمة لمواجهة اختلالات الاقتصاد الإيراني وتخفيف مخاطر التضخم.

تصعيد اقتصادي وسياسي داخلي وخارجي

أفادت تقارير بأن الدين الحكومي الأميركي ارتفع بنحو 295 مليار دولار خلال الشهر الذي تزامن مع العملية العسكرية ضد إيران، فيما أكدت إيران بأن خطواتها قد تتخذ ردوداً مناسبة ومتناسبة في حال تعرض بنيتها التحتية والمنشآت الحيوية لهجوم.

كما أظهرت قراءة استطلاعات رأي انخفاضاً في تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرب نهاية ولايته الثانية، في حين نبّه قليق باباد إلى أن 7 ملايين إيراني أعلنوا استعدادهم للدفاع عن البلاد في حال اندلاع حرب أخرى.

تصريحات وتوجهات كبار اللاعبين الدوليين

أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أنها وجهت التحذيرات اللازمة في حال تعرض البنية التحتية والمنشآت الحيوية لهجوم، وتحدثت عن استعداد إيران للرد بالمثل وبشكل متناسب، بينما استشهد مسؤولو الحرس الثوري الإيراني بأن الإدارة الأمريكية وحلفائها تتحمل مسؤولية التصعيد وتداعياته الاقتصادية والسياسية في الخليج والمنطقة.

أعلن قائد الجيش الإيراني أن أي هجوم بري من الأعداء يجب ألا ينجو منه أي عنصر، في حين نفذت إسرائيل ضربات واسعة استهدفت مقرات مالية مركزية للحرس الثوري في طهران ومواقع قيادية أخرى عبر الأراضي الإيرانية، وهو ما يعكس خطورة التبادل الاقتصادي والسياسي بين الطرفين.

تقييمات مستقبلية وتوقعات هامة

كشفت تقارير استخباراتية أمريكية أن النظام الإيراني لا يظهر أي علامات على التفكك، وأنه ما زال قادراً على الصمود أمام الضغوط، فيما ترى بعض التحليلات الدولية أن الأوضاع المالية الإيرانية ستواجه تبعات اقتصادية كارثية في الفترة المقبلة إن استمرت الحرب بلا حل سياسي. كما أشارت تقارير متابعة إلى مخاطر تصاعدية في الأسعار العالمية نتيجة لسيطرة إيران على مضيق هرمز وتوترات الخليج، إضافة إلى مخاطر تدفق الهجرة نتيجة استمرار الصراع في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى