اخبار سياسية

معركة فتح مضيق هرمز: سيناريوهات وتكاليف تحريره بالقوة

يتصدر مضيق هرمز المشهد كأحد أهم أوراق الضغط التي تستخدمها إيران لإبقاء الخصوم تحت التهديد، عبر حزمة من الضغوط الاقتصادية والسياسية وتكثيف مخاطر الممر البحري الحيوي. يمر عبر المضيق نحو 90% من صادرات إيران النفطية، كما يعبره نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، فيما تعتبر المنطقة مقصداً رئيسياً لإمدادات الدول المطلة على الخليج، بما فيها قطر التي تصدر الغاز المسال عبره.

في المقابل، تكثف الإدارة الأميركية ضغوطها وتضرب وأساليبها العسكرية لكبح ارتفاع أسعار النفط ومنع التضخم، مع البحث عن تحالف دولي يفتح المضيق بالقوة مع احتمال مشاركة دول أخرى في جهود حماية حرية الملاحة، رغم رفض بعض الشركاء المحتملين المشاركة بشكل عسكري واسع.

الجغرافيا تخنق الملاحة

يبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة نحو 32 كيلومتراً، ويتسع في مواضع أخرى لأكثر من 95 كيلومتراً. تحتاج الحركة فيه إلى مسارين ملاحين منفصلين للدخول والخروج مع منطقة عازلة تفصل بينهما لتجنب الاصطدام. عبر هذه الممرات كانت تمر أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والوقود يومياً قبل الحرب، والآن دفعت التهديدات والمخاطر شركات الشحن إلى الحذر وارتفاع تكاليف التأمين، في حين تواصل الدول الخليجية تصدير نفطها عبر المضيق. كما يمثل الممر المنفذ الرئيسي لصادرات قطر من الغاز المسال، التي بلغت نحو 80 مليون طن في 2025.

الأسلحة الرخيصة تغلق المضيق

ترتكز القوة العسكرية الإيرانية على قطاع صناعي دفاعي واسع يحقق توازناً بين تقليل الكلفة ورفع دقة الأسلحة. ورغم العقوبات الشديدة، تواصل طهران تعزيز قدراتها في صنع المسيّرات والصواريخ منخفضة التكلفة، التي تعد الورقة الأكثر استخداماً في ظل ضعف قدراتها الجوية القادرة على حماية الممر. وتملك إيران مخزوناً واسعاً من الطائرات المسيّرة ذات المديات المناسبة لاستهداف السفن في المضيق، إضافة إلى أعداد كبيرة من المدفعية الثقيلة والقواعد الساحلية التي تهدد ناقلات النفط الكبيرة التي تسير عبر المسارات الضيقة. كما تمتلك ترسانة من الصواريخ مضادة للسفن ورادعاً من الألغام البحرية، إلى جانب وسائل دفاع جوي متقلبة الأداء مقارنة بالقوى الكبرى في المنطقة.

يُعَدُّ الألغام البحرية أبرز التهديد في المضيق؛ فبين 5000 و6000 لغم من أنواع متعددة تشكل عائقاً حقيقياً يعيق عبور الناقلات، خاصة وأن التطهير يتطلب سفناً متخصصة ووقتاً طويلاً مع احتمال ظهور ألغام جديدة باستمرار. كما قد تقود الألغام إلى تعطيل حركة المرور وتكثيف أقساط التأمين، ما يجعل مالكي السفن يترددون في العبور حتى في حال إعلان خلو المضيق من الألغام.

الإدارة بالخوف والسيطرة بالنيران

تسيطر إيران على الجانب الشرقي من المضيق وتنتشر على سواحل جبلية تمتد من الخليج إلى المحيط الهندي، وتتركز صادرات الخليج في مرافق مثل جزيرة خرج شمال الخليج التي تتحمل نحو 90% من إصدارات إيران النفطية. تمتلك طهران شبكة واسعة من الأصول المطلة على المضيق بما فيها زوارق مسلحة وغواصات سطحية ومسيّرات، إلى جانب المدفعية والصواريخ. ترتكز استراتيجيتها على عاملين: التضييق الجغرافي الناتج عن المضيق نفسه، إضافة إلى قدرة إيران على توليد تهديدات نيران كثيفة عبر عمق جغرافي واسع. وتظهر المعطيات أن إيران مصممة على نهج “إدارة التدفق” عبر التلويح بالإغلاق، وهو ما يحافظ على ارتفاع أسعار النفط ويثير مخاوف الأسواق من قيام إيران بعمل عسكري لا تعلن عنه مباشرة ولكنه يعطِّل الملاحة في المضيق الحيوي.

استراتيجية “خنق” التدفقات

فقدت إيران جزءاً من أصولها البحرية الكبيرة مثل المدمرات والفرقاطات، في حين تضع الولايات المتحدة أساطيلها في المحيط القريب من إيران وتدير شبكات قتالية معقدة تتفوق في القدرات على ما تبقى من البحرية الإيرانية. وتفترض إيران ألا تغلق المضيق تماماً أمام السفن كافة، خاصة أنها تصدّر نفطها عبره وتوجد سفن موجهة للحلفاء كالصين وشركاء آخرين. وإنما تعتمد سياسة إغلاق انتقائي متعدد الطبقات، تتيح مروراً محدوداً لسفن بعينها بعد تنسيق مع إيران، مع تهديد الناقلات الكبرى بعبور قريب أو تعطيل، مع الاحتفاظ بأوراق أقوى مثل الألغام والاستهداف الشامل في مراحل لاحقة.

أوراق طهران في “لعبة هرمز”

تعتمد إيران على حزمة من التهديدات لخنق المسار أو إغلاقه كلياً. تشمل الاستهداف الجوي عبر المسيّرات مثل “شوّاد 136” و“حديد 101” مع ذخائر جوالة تعمل على ارتفاعات متوسطة وتستهدف الأهداف بشكل مباشر عندما تصل نطاقاتها. وتعتبر ذخائر Loitering Munitions من أبرز وسائلها لاستهداف ناقلات كبيرة بطيئة عند تنفيذ ضربات متزامنة مع مسيرات تشوّش أنظمة الدفاع المرافق. كما تمتلك قدرات مدفعية تغطي حتى نحو 80 كيلومتراً، إضافة إلى رشقات مساحية مكثفة من مسافات 30 إلى 75 كيلومتراً وراء خطوط المدفعية. وتتيح راجمات مثل “فجر” و“نور” و“قدر” استهدافاً دقيقاً للقطع البحرية، فيما تمتلك إيران صواريخ مضادة للسفن بحرها من عائلة “هرمز” وباليستيات قصيرة المدى تصل إلى مسافات مختلفة، كلها تشكل منظومة تهديد مركّبة للممر المائي.

تعتبر مخاطر الألغام البحرية حجر الأساس في تقويض حركة الملاحة، فبين وجود ألغام مثبتة في الأعماق وأخرى معلقة أو عائمة، تصبح عملية العبور محفوفة بالمخاطر وخيارات التطهير محدودة. يوضح خبراء عسكريون أن شبح الألغام يفرض حلولا معقدة لإقناع السفن والموانئ بأن المضيق آمن بما يكفي للعبور بشكل منتظم، وهو ما يجعل القرار في النهاية مسألة ثقة وتكاليف مرتفعة.

تحديات وفرص تحرير هرمز

تظهر الحسابات أن فتح المضيق ليس مجرد معركة عسكرية سريعة، فالمطلوب تأمين الممر من الجو والبر والبحر معاً لضمان استعادة الملاحة بشكل مستمر. في حال أقرت واشنطن تشكيل تحالف وبدء حملة عسكرية، قد يشمل ذلك سيطرة ساحلية وجوّية وتحرير جزر قريبة مثل طنب الكبرى والصغرى وأبو دارك، إضافة إلى جزيرة خرج كهدف لتبادل مع إيران. وتبرز مخاطر فقدان التوازن في منطقة حساسة سياسياً واقتصادياً، إذ توجد تحديات داخلية وخارجية وتبعات إنسانية في المنطقة. كما يبرز احتمال عقد صفقات تبادلية تقضي بانسحاب إيران من بعض الجزر أو تخفيض النفوذ على المضيق مقابل فتحه بشكل دائم.

تشير التقديرات إلى أن قراراً باستخدام القوة سيصاحبه حملة قصف واسعة وتطهير جوي وبري محدودة تسبقها مراحل طويلة من القصف والضربات المركزية على مصادر النيران الإيرانية، مع احتمال انتشار في جزر مثل خرج وتشمّن إلى تطبيق سيطرة مطلقة على المضيق، وهو ما قد يستلزم تدفق قوات برية محدودة على الجزر الأقرب للمضيق، مع مخاطر تسمح باستغلال إيران لخطوط دفاعها الجغرافية والجزر المتعددة لتأخير أي تقدم حاسم.

هل تستطيع واشنطن فتح المضيق وحدها؟

تملك الولايات المتحدة قدرات عسكرية هائلة يمكن استخدامها في فتح المضيق بمفردها، وفق تصريحات مسؤوليها. يتضمن ذلك استخدام قاذفات استراتيجية من طرازات B-52 وB-1 وB-2، وطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، إضافة إلى أساطيل مدمرات من طراز Arleigh Burke قادرة على ضرب أهداف داخل إيران بصواريخ توماهوك وتدمير وسائل دفاعها بهجمات متزامنة. كما يمكن نشر غواصات هجومية لإطلاق صواريخ توماهوك وتوربيدات، واستخدام كاسحات ألغام ومروحيات مخصصة لتطهير الممر من الألغام. وتُشير تقديرات إلى وجود قرابة 50 ألف عسكري في المنطقة مع قوات بحرية من الشرق الأقصى، ما يمنح الولايات المتحدة قدرة على تنفيذ عمليات إغارة محدودة أو السيطرة على جزر بعيدة كخيار تبادلي مقابل فتح المضيق. إلا أن قرار استخدام القوة قد يواجه معارضة واسعة ويستلزم تقديراً دقيقاً للمخاطر السياسية والإنسانية والعسكرية المرتبطة بذلك.

تجارب سابقة.. التداعيات قد تستمر شهوراً

تُظهر الدروس التاريخية أن فتح المضيق ليس نهاية الأزمة، بل بداية عملية مطوّلة لإعادة ربط خطوط الملاحة وتقييم سلامة المسارات وتطهير الحقول العائمة من الألغام. فالتجارب السابقة في الخليج وقنوات ملاحية أخرى في العالم أظهرت أن إزالة الألغام وتطهير الممرات قد يستغرق شهوراً طويلة، ويستلزم عمليات مستمرة وموارد هائلة، إضافة إلى مخاطر استهداف جزر وطرق إمداد. كما أن تنظيف الممرات وتثبيت الثقة في عودة الملاحة يتطلب جهود مشتركة وطمأنة للسفن وشركات التأمين حول مخاطر العبور.

شبح أزمة مياه خليجية

يعتمد خليجياً عشرات الملايين من السكان على محطات تحلية المياه كجزء رئيس من إمدادات المياه، وتؤثر أي تصعيد عسكري واسع في المضيق على قدرات التحلية والبنية التحتية المرتبطة بها، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً حساساً لأي تدخل عسكري. ومع اعتماد الدول الخليجية على تحلية المياه بنسب متفاوتة، فإن إلحاق أي ضرر بالبنية التحتية قد يضاعف معاناة ملايين الأشخاص في المنطقة، بما في ذلك مدن رئيسية في السعودية والإمارات والكويت وعمان وقطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى