مصارعة الثيران وحنين إلى عهد فرانكو.. الغضب يقود شباب إسبانيا نحو اليمين المتطرف

كانت مصارعة الثيران قضية محورية في الحرب الثقافية لدى حزب فوكس وناخبيه من كبار السن، إذ كانت تمثل فرصة للدفاع عن قدسية التقاليد ومقارعة نشطاء حقوق الحيوان من التوجهات التقدمية، بحسب تقرير فاينانشال تايمز.
ارتفعت شعبية الحزب في استطلاعات الرأي بفضل دعم من الشباب الإسباني، فوجد قادته أن الاهتمامات المحافظة التقليدية مثل مصارعة الثيران فقدت كثيراً من أهميتها.
وتعلم حزب فوكس استغلال المظالم الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يعاني منها الرجال، فصار يربط خطاباته بمطالب الطبقة العاملة وبتراجع فرص الشباب.
فوضى عارمة
يقول أدريان دومينجو، 30 عامًا، وهو مؤيد لحزب فوكس ويعمل بائعاً للمعدن، وهو في تيرويل قرب تمثال الثور الشهير: “لم أكن أحب السياسة قط، لكنني صرت أصوت عندما رأيت حالة البلاد. إنها فوضى عارمة”.
تميل الشابات سياسياً نحو اليسار، بينما يميل الرجال في فئة الشباب إلى اليمين أكثر من أي وقت مضى خلال الأربعين عامًا الأخيرة.
ينظر كثيرون إلى أنفسهم باعتبارهم ضحايا لسياسته الاقتصادية والهجرة، ويرون أن ارتفاع تكاليف السكن وتدهور الخدمات وتزايد الجريمة جزء من الأزمة، كما يصفون القوانين النسوية بأنها تعطي حقوق المرأة أولوية على حقوق الرجل وتستشهدون بفضائح سياسية تتهم بعض قادة الحزب الاشتراكي بالفساد، مع نفي جميع المتورطين أي مخالفات.
إذا جرت انتخابات عامة اليوم، ستجني فوكس أصوات أكثر من أي حزب آخر بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، وفقاً لبيانات CIS.
وفيما يتعلق بمصارعة الثيران، أبدى دومينجو حبه لهذه الرياضة لكنه يعتبرها مسألة معيشة أكثر من كونها قضية ثقافية: “شريحة واسعة من المجتمع تعتمد في معيشتها على تربية الماشية، فماذا سيحدث لو قضينا على هذا القطاع؟ الطعام على المائدة يتوقف عليه.”
قال صديقه فرانسيسكو رويو، 31 عامًا، إنه كان غير مبالٍ بالسياسة ثم صار أكثر حرصاً على إلحاق الهزيمة بالحزب الاشتراكي لأنه فشل في الأداء.
موجة الشعبوية
يمثل التصويت لصالح فوكس الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك الهدف، إضافة إلى ركوب موجة الشعبوية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتنتشر عبر القارة الأوروبية.
يرى خورخي مونتيرو، 23 عامًا، وهو طالب من برشلونة، أن الشباب يعبّرون عن قلقهم من وجود مهاجرين لا يظهرون احتراماً لثقافتنا ويؤيدون فرض رقابة حدودية أكثر صرامة وترحيل المخالفين كخطوة رئيسة، ويصر على أن المسألة تتعلق بامتثال القوانين وليس بالعُنصرية.
تأسس حزب فوكس في 2013 على يد منشقين عن الحزب الشعبي المحافظ، وكان أنصاره الأوائل من الأثرياء والمدن الراقية، إضافة إلى فئة من العمال الريفيين، ومع مرور الوقت بدأ الحزب يجذب رجال من الطبقة العاملة الذين كانوا يُحسبون سابقاً على اليسار.
حقق فوكس منذ ديسمبر الماضي أعلى حصص تصويت له في ثلاث انتخابات إقليمية، فحصل على 17% في إكستريمدورا و18% في أراجون و19% في قشتالة وليون، وإن كانت هذه الأرقام دون تلك التي تحققها أحزاب يمينية مماثلة في دول أخرى.
يتابع روبن دييز، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كومبلوتنسي في مدريد، بأن هناك شعوراً عاماً بالرفض لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية بل يشمل العاطفة أيضاً، وهذا يدفع الناس نحو وجهات نظر أكثر راديكالية، إذ يعتقدون أن المؤسسات والديمقراطية لم تعد تخدم مصالحهم.
يصور سانشيز فوكس كتهديد للقيم الديمقراطية. ويرى سانشيز أن فوكس يدعم “أولئك الذين يشعلون النيران في العالم، ثم يشتكون من الدخان المتصاعد”.
كان المشهد السياسي قبل عقد من الزمن معكوساً، حين كان الحزب الشعبي يدار حكومة يمين وسط فاسدة، وبطالة تتجاوز 20%، بينما كان اليسار الراديكالي مهمشاً في المعارضة.
قاد بابلو إجليسياس التيارات اليسارية في الماضي كمنسق لبوديموس، وهو اليوم يصف فوكس بأنه جزء من ظاهرة “فاشية اليمين” لكنه يعترف بأنه يحقق الانتصارات لأنه ينجح في التكيف مع قواعد اللعبة السياسية ويعرف كيف يسيطر على المشاعر في مجتمعات مشبعة بوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
نجوم اليمين
برزت أسماء على شبكة الإنترنت مثل أنجي كورين، وهي راب تمزج معارضة سانشيز بروح وطنية، و”إل جينشو” وهو راب موشوم يطلق أغنية بعنوان “سانشيز الكلب” ينتقد فيها رئيس الوزراء، وموجهاً إليه اتهامات بالفساد.
كما يبرز بعض مقدمي البودكاست مثل فيكتور دومينجيز المعروف بـ”وول ستريت وولفـرِين” الذي يمزج القلق من الهجرة بنصائح استثمارية، و”دانيال إستيف” وهو رائد أعمال يهاجم سانشيز بزعم الترفق بالمتعدين على العقارات.
ويحظى الصحافي فيتو كويليس بشعبية واسعة عبر مواجهاته العفوية مع السياسيين والمؤيدين، خاصة بين الشباب.
حنين إلى فرانكو
تظهر عبر وسائل التواصل موجة من الحنين إلى فرانكو، وهو شعور يكتفي البعض بتداوله كعادة جيلية ولدت بعد موته بفترة طويلة، وتظهر الميمز أن الاقتصاد كان أقوى والشوارع أكثر أماناً في ظل حكمه المستبد، وهو ادعاء يثار حوله جدل حقوق الإنسان والحريات.
يرى بعض السياسيين أن هذا الحنين يزداد بين الشباب، فيما يرى باكو كاماس من Ipsos أن الاستطلاعات تشي بارتفاع عدد الشباب الذين يعتقدون أن النظام السلطوي قد يكون أحياناً أفضل من الديمقراطية.
وتظل المظالم الاقتصادية عاملاً حاسماً في نجاح فوكس؛ فبينما انخفضت البطالة إلى أقل من 10%، يعرب الشباب عن غضبهم من بطء زيادة الأجور وتزايد تكاليف السكن.
يقول أدريان جارسيا، طالب في كلية إدارة الأعمال في تيرويل، إنه يستطيع تخيل نفسه عاملًا خلال عامين لكنه لن يستطيع شراء منزلًا أو إنجاب أطفال، وهو أمر أساسي وجوهري بالنسبة له، لذا يفضل فوكس كخيار يَعِد بخفض الضرائب وتقليل الهدر العام.
أما ولع الحزب بمصارعة الثيران، فيرى أدريان أنه مسألة ثانوية وعرضية؛ فهو يعتبرها جانبًا من السياسة يعبر عن مصالح معيشيّة أكثر من كونها قضية ثقافية.




