اخبار سياسية

بوشهر: مفاعل نووي على ساحل الخليج في مرمى صراع مع إيران

أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالواقعة، مؤكدة أن المنشأة لم تتعرض لأي أضرار وأن الحادث لم يسفر عن إصابات بشرية. وأفادت مؤسسة “روس آتوم” أن المقذوف سقط قرب مبنى القياسات وعلى مقربة مباشرة من وحدة التشغيل العاملة. وذكر المدير العام لـ”روس آتوم” أليكسي ليخاتشوف أن مستويات الإشعاع بقيت ضمن الحدود الطبيعية، مع تحذيره من خطورة استهداف المنشآت النووية وتداعياته خارج نطاق الحادث نفسه.

ولا تبدو الحادثة عابرة في سياق المنطقة؛ منذ أواخر فبراير 2026 شهدت المنطقة المحيطة بالمحطة سلسلة ضربات دفعت لإجلاء نحو 150 موظفاً روسياً، بينما يواصل نحو 480 آخرين تشغيل المفاعل. لكن سقوط مقذوف داخل محيط المحطة يطرح سؤالاً أعمق: ماذا لو أصابت ضربة مباشرة قلب المفاعل الذي يعمل قرب مياه الخليج؟

مشروع نووي بدأه شاه إيران وأكملته روسيا

تعود خطط إنشاء محطة نووية في بوشهر إلى سبعينيات القرن الماضي، حين أعلن الشاه محمد رضا بهلوي خطة لإنتاج 23 ألف ميغاواط من الكهرباء النووية بهدف تحرير النفط والغاز للتصدير. وفي تلك الفترة جرى توقيع اتفاقات أولية مع شركات ألمانية وفرنسية لبناء أربع محطات، ثم بدأ بناء مفاعلين من النوع الماء الثقيل المضغوط بقدرة 1293 ميغاواط لكل منهما على بعد 18 كيلومتراً جنوب بوشهر، استناداً إلى تصميم مفاعل ألماني. وقد وُقّع العقد رسمياً منتصف عام 1976 مقابل نحو 3 مليارات دولار.

لكن بعد الثورة توقفت المدفوعات، وكذلك الأعمال مطلع عام 1979، وتعرّض الموقع لأضرار نتيجة غارات جوية عراقية بين 1984 و1988 خلال الحرب الإيرانية العراقية. كانت الخطة الأصلية تقضي ببناء 4 وحدات في بوشهر ووحدتين في أصفهان وأخريين قرب طهران باستخدام تقنيات التبريد الجاف.

بوشهر 1 وتطويره

وقعت إيران وروسيا اتفاقاً في موسكو عام 1992 لبناء محطة نووية بوحدتين يشمل الإنشاء والتشغيل، وأصرّت الوكالة على الاستفادة من البنية التحتية القائمة في بوشهر. وفي 1994 وافقت وزارة الطاقة الذرية الروسية (ميناتوم) على استكمال المفاعل الأول باستخدام تصميم روسي من طراز VVER-1000 بقدرة ألف ميغاواط، مع تكييفه مع المكونات الألمانية السابقة، وتم توقيع العقد النهائي في يناير 1995.

واجه المشروع تحديات تقنية معقدة نتيجة دمج معدات ألمانية قديمة مع تصميم روسي حديث في ذلك الوقت، إذ اضطر المقاول الروسي إلى فحص وتوثيق عشرات آلاف القطع في ظل غياب وثائق لبعضها، فضلاً عن الحاجة إلى تحديثها وفق معايير السلامة النووية الأكثر صرامة التي تطورت منذ سبعينيات القرن الماضي. وبحسب تقارير محلية، توزعت مكونات المحطة بين 24% ألمانية و36% إيرانية و40% روسية، كما خضع المشروع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بدأ تشغيل المفاعل في مايو 2011، وربط بالشبكة الكهربائية في سبتمبر من السنة نفسها، ودخل الخدمة التجارية رسمياً في سبتمبر 2013. وخلال تلك الفترة، أُوقِف تشغيل المحطة مؤقتاً في 2012 بسبب مخاوف من بقايا معدنية في نظام التبريد، قبل إعادة تشغيله لاحقاً.

الدور المدني والرقابة الدولية

يُعدّ بوشهر مفاعلاً مدنياً يخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبخلاف منشآت نطنز وفوردو لا يجري فيه تخصيب لليورانيوم، إذ تزوده روسيا بوقود منخفض التخصيب لا يتجاوز 3.67% وتستعيد الوقود المستنفد بعد انتهاء دورته لإعادة معالجته في روسيا، فيما يعزز ذلك ترتيبات لمنع الانتشار النووي. ويعمل في المحطة عادةً بين 450 و600 موظف روسي إلى جانب مهندسين إيرانيين تدربوا في مراكز روسية متخصصة.

وفي الأسابيع الأخيرة، قال رئيس “روس آتوم” أليكسي ليخاتشوف إن شركته تواصل إجلاء بعض موظفيها من إيران بسبب الهجمات الأميركية الإسرائيلية، لكن نحو 450 منهم لا يزالون في محطة بوشهر، بينما غادر 150 عبر أرمينيا الحدود إلى روسيا. وتنتج المحطة نحو 2% من كهرباء إيران.

التوسع وخطر الاستهداف في ضوء الحوادث المستمرة

كان من المخطط أن تبني إيران وموسكو وحدتين إضافيتين (بوشهر-2 وبوشهر-3) من الجيل الثالث المتقدم بقدرة إجمالية تبلغ 2100 ميغاواط وتكلفة نحو 10 مليارات دولار، بهدف رفع حصة الطاقة النووية إلى نحو 10% من إنتاج الكهرباء. بدأ البناء فعلياً في 2017، غير أن أعمال التوسعة توقفت بسبب الحرب المستمرة وفق ما أعلنته روسيا. وتقع المحطة جنوب شرقي بوشهر قرب الخليج العربي ضمن منشأة واسعة تتضمن مبنى المفاعل والهياكل الداعمة الأخرى، وتثير مواقعها مخاوف من تبعات تسرب إشعاعي وتلوث مياه الخليج التي تعتمد عليها دول الخليج في إنتاج مياه الشرب. وفي جلسة عاجلة بمجلس الأمن في يونيو 2025 حذر مدير الوكالة جروسي من مخاطر ضرب المحطة وتدمير خطوط الكهرباء المغذية للمفاعل، مع وجود آلاف الكيلوغرامات من المواد النووية في موقع يثير القلق من انصهار قلب المفاعل في حال حدوث هجوم مباشر. كما حذرت دراسات من احتمال تلويث مياه الخليج ومياه التحلية في دول الخليج إذا حدث تسرب إشعاعي، ونوه مراقبون إلى أن الهجوم على المحطة قد يطلق كارثة إشعاعية مطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى