كيف أثّرت الحروب الخارجية في السياسة الداخلية الأميركية؟

النموذج التاريخي للتدخلات الأمريكية عبر العقود
بدأت التدخلات العسكرية الأمريكية كدفعة سياسية للرئيس، تمنح دفعة مؤقتة في شعبيته ثم تتحول، إذا طال أمدها أو ارتفعت تكلفتها أو غابت نهايتها الواضحة، إلى عبء يلتصق باسمه وبحزبه حتى بعد مغادرة الرئاسة.
بدأت الحرب الكورية كأول محطة تبرز كيف يمكن لتدخل خارجي أن يؤثر مباشرة في السياسة الرئاسية، فقرر ترومان إرسال قوات إلى شبه الجزيرة في صيف 1950 وبلغ التأييد الأولي نحو 78% وفق استطلاعات جالوب، قبل أن يتراجع مع امتداد الحرب وتزايد تكلفتها، حتى بلغت نسبة التأييد لأداء ترومان 22% في فبراير 1952، وهو من أدنى المستويات في تاريخ جالوب. ووفق تقديرات Miller Center كانت الحرب من بين العوامل التي أضعفت ترومان وأسهمت في قراره عدم الترشح مرة أخرى، فدخل الجمهوريون انتخابات 1952 مستفيدين من هذا المناخ ورفعوا تعهدهم بأنهم “سيذهبون إلى كوريا” قبل أن يفوزوا بالرئاسة وتُوقع الهدنة لاحقاً، لتعيد الحرب تشكيل التوازن السياسي في البلاد.
بدأ فشل خليج الخنازير كاستثناء لافت حين وافق جون كينيدي في أبريل 1961 على خطة إنزال المنفيين المدعومين من CIA بهدف إسقاط فيديل كاسترو، لكن الهجوم فشل، وفشلت الضربات الجوية، واستُدرج نحو 1200 من المهاجمين وأنهى الأمر بوقوع وفيات وبعض الأسر، فحمل كينيدي المسؤولية علناً. ساهمت الهزيمة في تعزيز فكرة أن الناخبين لا يعاقبون الرئيس تلقائياً لخطأ عسكري، بل يقيمون أسلوب التعامل مع الأزمة، وارتفعت شعبية كينيدي إلى نحو 83% مع الأيام التالية وفق Miller Center.
بدأت الحرب في فيتنام بمسار طويل استنزف الرؤساء، فالهجوم الكبير في تيت 1968 لم يكن نصراً حاسماً بل صدمة سياسية في الولايات المتحدة عندما بدا أن الرواية الرسمية عن التقدم تتعارض مع الواقع على شاشات التلفزيون، ما أدى إلى فقدان الثقة وتراجع الشعبية، خصوصاً بعد انتخابات 1966 النصفية التي خسر فيها الديمقراطيون 47 مقعداً. وتدريجياً ورث نيكسون حرباً يصعب ربحها داخلياً فحاول إعادة تعريف الهدف كخروج يمكن تسويقه داخلياً. وفي 1970 وسع نطاق العمليات إلى كمبوديا كجزء من تقليل أمد الحرب، ثم جاءت اتفاقيات باريس في 1973 لإنهاء التدخل العسكري المباشر، وتبنى الكونغرس لاحقاً “قرار سلطات الحرب” لتقييد قدرة الرئيس على خوض حروب مفتوحة بلا تفويض واضح، كما أكد واينبرغر في 1984 ضرورة ربط الإرسال بمصلحة حيوية وأهداف محددة وموارد كافية ودعم من الرأي العام والكونغرس.
أظهرت أزمة الرهائن في إيران منذ 1979 اختباراً حقيقياً لقدرة الرئيس على حماية المواطنين وفرض هيبة الدولة، فارتفاع التأييد المؤقت لكارتر من 32% إلى 38% ثم 51% بعد الإفراج عن 13 رهينة، انتهى مع استمرار الاحتجاز وفشل المسارات الدبلوماسية. جاءت عملية الإنقاذ الفاشلة في أبريل 1980 لتمنح الأزمة لحظتها الأكثر قسوة سياسياً، فأقر كارتر عملية عسكرية سرية تعرف بـ”ديزرت وان” لكنها فشلت وتكالبت التكاليف البشرية، ما أدى في نهاية المطاف إلى هزيمته في انتخابات 1980، حتى وإن أُطلق سراح الرهائن في 1981 مع بداية رئاسة ريغان.
قدمت لبنان عام 1983 نموذجاً يبرز التباين بين وجود عسكري محدود الهدف وتوجيهه السياسي، فكان إرسال قوات أميركية ضمن قوة متعددة الجنسيات إلى بيروت ثم تفجير ثكنة المارينز في 23 أكتوبر 1983 وأدى إلى مقتل 241 عسكرياً، ما طرح أسئلة واسعة حول جدوى المهمة وحدودها. وفي المقابل جاءت عملية جرينادا كخطوة خاطفة ومحدودة الهدف لإعادة الاستقرار وحماية مواطنين أميركيين، فاعتُبرت نجاحاً تسويقياً سياسياً.
بدأت بنما أواخر عام 1989 نموذجاً للتدخل العسكري القصير الذي يسهل تسويقه داخلياً، فنفذ الجيش الأميركي عملية سريعة لإسقاط مانويل نوريا، وارتفعت شعبية جورج بوش الأب إلى نحو 80% في يناير 1990، لكنها لم تحمِه من النتائج الداخلية؛ ففي انتخابات 1990 خسر الجمهوريون مقاعد في مجلس النواب ومقعداً في مجلس الشيوخ، ما أشار إلى أن النجاحات الخارجية لا تترجم دائماً إلى حماية داخلية في ظل القضايا الاقتصادية والسياسية المحلية. ثم جاءت حرب الخليج الثانية لتمنح بوش الأب ذروة شعبية، إذ بلغت نسبة التأييد 89% بعد وقف إطلاق النار، لكن التلاشي بدأ مع تآكل الانتباه للأوضاع الاقتصادية وتراجع معها الدعم الشعبي تدريجياً. وفي الصومال بدا التدخل إنسانياً ثم تحوّل إلى مأزق سياسي وعسكري فتح نقاشاً حاداً حول حدود المهمة واستعداد واشنطن لخوض نزاعات غير مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأميركي. وعلى صعيد الولاية الثانية لكلاينتون، جاءت نتائج انتخابات 1994 النصفية كأبرز ضربة تشريعية رافقت ذلك المسار، مع خسارة الديمقراطيين 52 مقعداً في مجلس النواب و8 مقاعد في مجلس الشيوخ، ما عبّر عن تأثير الحرب والصراع الخارجي على التحالف الداخلي.
فرضت هجمات 11 سبتمبر تفويضاً من الكونغرس للرئيس باستخدام القوة ضد من آواهم، فدخلت الولايات المتحدة حربين متتاليتين في أفغانستان والعراق. وأظهرت انتخابات 2002 النصفية استثناءً تاريخياً بتقدم الجمهوريين في الكونغرس بسبب التعبئة الوطنية والشعبية العالية لبوش، ثم بدأ الغزو العراقي في 2003 فارتفع التأييد على أداء الرئيس من 58% إلى 71% في بدايته، لكنه عُكِس لاحقاً مع انتقال الحرب من إسقاط النظام إلى احتلال وعنف مستمر. وأعلن أوباما في 2009 زيادة القوات في أفغانستان، مع خطاب يدمج بين التصعيد المؤقت وخطة سحب القوات بعد 18 شهراً. وتزايدت التكلفة الإنسانية والمالية للحروب حتى باتت تقديرات براون صنّاعها تُشير إلى مقتل نحو 0.94 مليون شخص بشكل مباشر و3.6–3.8 مليون وفاة غير مباشرة وبكلفة تقارب 8 تريليونات دولار، وهو ما يفسر التحول في صورة الحرب في الوعي الأميركي من دعم صلب إلى نقدٍ إرثٍ بعيد المدى. وأظهرت نتائج استطلاع أُجري عام 2023 أن غالبية الأميركيين (61%) يعتبرون غزو العراق قراراً خاطئاً.




