بثنائية الدين والعسكرة.. الحرس الثوري يستولي على مؤسسات إيران
تقف إيران أمام مفترق طرق تبدو جميعها في قبضة الحرس الثوري الإيراني

كتب : وكالات
ما بين اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج عن العدوان الذي طالها منذ اندلاع الحرب ثم تراجعه عن تصريحاته وطريقة اختيار المرشد الجديد للبلاد، تقف إيران أمام مفترق طرق تبدو جميعها في قبضة الحرس الثوري الإيراني.
وتعرض بزشكيان لانتقادات لاذعة من قبل الحرس الثوري وغلاة المحافظين المتشددين، في علامة على الانقسام الداخلي، حيث خاطب حميد رسائي، وهو مشرع ورجل دين من غلاة المحافظين، الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا “موقفك غير احترافي وضعيف وغير مقبول”، وفق وكالة رويترز.
من ناحية أخرى وبدعم من الحرس الثوري، أعلنت إيران الأحد تعيين مجتبى خامنئي زعيمًا أعلى جديدًا للبلاد خلفا لوالده آية الله علي خامنئي، في إشارة إلى أن التيار المحافظ لا يزال ممسكًا بقوة بزمام السلطة في طهران بعد مرور أسبوع على اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكان يُنظر إلى مجتبى، وهو رجل دين ذو مرتبة دينية متوسطة ويتمتع بنفوذ داخل القوات الأمنية الإيرانية وشبكات أعمال واسعة في عهد والده، على أنه الأوفر حظًا قبل التصويت الذي أجراه مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة تضم 88 من رجال الدين ومكلفة باختيار الزعيم الجديد بعد مقتل خامنئي.
وتعيين مجتبى زعيما أعلى للبلاد يمنحه القول الفصل في جميع شؤون الدولة في الجمهورية الإسلامية. وربما يثير هذا النبأ غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق وقال إنه ينبغي أن يكون له دور في اختيار الزعيم المقبل، وهو مطلب رفضته إيران رفضًا قاطعًا.
وبحسب منصة “إيران إنترناشونال” فإن بعض أعضاء مجلس الخبراء الإيراني تحفظوا على اختيار نجل خامنئي خوفًا من مبدأ “القيادة بالوراثة”، إلا أنهم “اختاروا مجتبى خامنئي في النهاية قائدًا أعلى تحت ضغط من الحرس الثوري”.
*شعارات ثورية*
يؤكد القانوني اللبناني بيتر جيرمانوس أن “السلطة في إيران تقوم فعليًا على ثنائية الشرعية الدينية للمرشد الأعلى والقوة العسكرية-الاقتصادية للحرس الثوري، بينما يبقى الجيش والبازار عناصر داعمة أكثر من كونها مراكز القرار الأساسية”.
ويرى جيرمانوس، في منشور له عبر منصة “إكس”، أن “النظام الإيراني يعاني من عقدة نقص مزمنة أمام دول الخليج الناجحة. فالتأسلم الخميني الممزوج بالماركسية لا يحتمل رؤية الرأسمالية الخليجية وهي تبني المدن، وتدير المال، وتستثمر في المستقبل”
ويقول: “في طهران تُرفع الشعارات، وفي الخليج تُبنى المطارات والموانئ والجامعات. هناك اقتصاد، وهنا أيديولوجيا. هناك دولة تفكر بالقرن القادم، وهنا نظام يعيش على ثأرٍ تاريخي وشعارات ثورية فقدت صلاحيتها منذ زمن. لذلك يتحول الحسد أحياناً إلى مسيرات”
وفي قراءته للمشهد الحاصل، يحذر الدبلوماسي الأمريكي المتقاعد، ألبيرتو فرنانديز، في منشور له عبر منصة “إكس”، من أن “النظام الإيراني بمهاجمته الخليج العربي سيجني في نهاية المطاف ليس النفوذ أو القيادة الإقليمية، بل تآكل الثقة، ويعمق عزلته الدبلوماسية والاقتصادية، ويضع نفسه في انتهاك صارخ للأعراف الدولية، ويوحد المجتمع الدولي ضد السلوك المزعزع للاستقرار”
*عماد دولة عسكرية*
في تقرير لها عن الحرس الثوري الإيراني، تنبه صحيفة نيويورك تايمز إلى أنه “بفضل نفوذه العسكري والسياسي والاقتصادي الواسع، يعتبر الحرس الثوري في كثير من الأحيان العائق الرئيسي أمام تغيير النظام، أو أي تغيير، في إيران”
وتعيد الصحيفة التذكير بأنه “في غضون ساعات من أولى الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت إيران في 28 فبراير الماضي، انتشر عناصر من الحرس الثوري الإسلامي في أحياء طهران، العاصمة، وفي معظم المراكز الحضرية”
وتضيف: “أظهرت شهادات شهود عيان ومقاطع فيديو مسربة نُشرت على الإنترنت رجالًا بملابس مدنية، غالبًا ما يكونون مسلحين ببنادق كلاشينكوف، يديرون نقاط تفتيش حيث يفتشون السيارات والهواتف المحمولة، متيقظين لأي دلائل على تأييد الحرب. واصطفت سيارات مكافحة الشغب السوداء في أماكن مثل ساحات المدارس المغلقة، حيث يقل احتمال تعرضها للصواريخ”.
ويقول سعيد غولكار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تينيسي عن الحرس الثوري: “لقد حاولوا إيهام العالم بأنهم يسيطرون على الأمور، وفي الداخل يبثون الخوف في نفوس الناس حتى لا يجرؤوا على الخروج إلى الشوارع”.
وعلى رغم من تلميح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ضرورة إلقاء الحرس الثوري سلاحه، تنقل الصحيفة عن المحللين قولهم “إن هذا السيناريو مستبعد للغاية. قد تبدو إيران دولة دينية، وأيديولوجيتها الرسمية راسخة في الإسلام الشيعي، لكن الحرس الثوري يُشكل العمود الفقري لدولة مسلحة ونفوذه العسكري والسياسي والاقتصادي الواسع النطاق هو العائق الرئيسي أمام تغيير النظام، أو أي تغيير، في إيران”.
*الظهور الأول*
يعود تقرير نيويورك تايمز ليتحدث عن الخلفية التاريخية للحرس الثوري، فيقول: “في بدايات الثورة الإسلامية عام 1979، لم يكن مؤسسها، روح الله الخميني، يثق بالقوات المسلحة (الجيش). لذا، أنشأ قوة مسلحة موازية، هي الحرس الثوري الإسلامي، مكلفًا تحديدًا بحماية الثورة. وكان جوهر هذه القوة أعضاء لجان الأحياء، التي غالبًا ما كانت تنتشر حول المساجد، والتي أنشئت لحماية مناطقها والقضاء على من اعتبرتهم أعداءً للثورة”.
ويضيف: “أدت الحرب التي استمرت ثماني سنوات، والتي بدأت بغزو العراق عام 1980، إلى صقل الحرس الثوري وجعله قوة أكثر تماسكاً. وتولى الحرس مهامًا مثل بناء برنامج لتطوير الصواريخ من الصفر تقريباً؛ إذ قطعت واشنطن، المورد الرئيسي للأسلحة، علاقاتها به بعد الثورة”.
ويوضح التقرير أنه “بعد وفاة الخميني عام 1989، حوّل المرشد الأعلى الجديد، علي خامنئي، الحرس الثوري إلى قوة نخبة، فربط منصبه بسلطته، وسمح له بالتوسع في المجالين السياسي والاقتصادي. وبالفعل أنشأ الحرس الثوري جناحًا منفصلاً لإدارة إعادة الإعمار بعد حرب العراق. ولا يزال الحرس يبني الطرق والسدود وغيرها من البنى التحتية. كما برع في تهريب البضائع من وإلى إيران، بما في ذلك النفط، ردًا على العقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت بعد عام 2002، عندما انكشف برنامج إيران النووي السري آنذاك”.
ويشير التقرير إلى أنه “اليوم، يسيطر الحرس الثوري على ما لا يقل عن 25% من الاقتصاد، وربما ضعف ذلك، وفقًا لبهنام بن طالبلو، الباحث البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن. وبإسقاط صدام حسين عام 2003، أتاحت الولايات المتحدة للحرس الثوري فرصة التوسع في الشرق الأوسط، مستخدمةً فيلق القدس التابع لها لتشكيل محور من الميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة. ثم أصبح لاعبًا رئيسيًا في السياسة الخارجية”.
ويتراوح عدد أفراد الحرس الثوري بين 125 ألفًا و180 ألف رجل. ويُقدّر المحللون إجمالي قوات الأمن في البلاد بنحو 1.5 مليون فرد، بما في ذلك الشرطة، لكن ليس جميع أفراد الحرس الثوري مسلحين فبعضهم يعمل في مجالات مثل البناء أو البرامج الثقافية.
وتتألف القوات العسكرية من أربعة فروع رئيسية: القوات البرية، والقوات البحرية، والقوات الجوية، بالإضافة إلى فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية. كما يُسيطر الحرس الثوري على العديد من المنظمات الحليفة، بما في ذلك جهاز استخباراته الخاص، وميليشيات الباسيج المحلية.
ويلفت حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، الانتباه إلى أن “الحرس الثوري يتصرف وفقًا لخطط موضوعة ويعمل بكفاءة حتى بدون خامنئي”، مضيفًا أنه “بينما يتبع القادة الإقليميون مخططًا مركزيًا، فإنهم يتمتعون باستقلالية في اتخاذ قرارات مثل توقيت إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة. هناك 31 قيادة، واحدة لكل محافظة، وفروع أصغر تهدف إلى قمع الاحتجاجات الداخلية في كل حي تقريبًا”.




