العراق: ملامح اتفاق بين الأكراد و”الإطار” لحسم رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء

صفقة رئاسية تقطع مع الجمود
تسعى القوى السياسية في العراق إلى إعادة تحريك ملف رئاسة الجمهورية بعد أشهر من الجمود، وسط إشارات عن تفاهمات غير معلنة خلف الكواليس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والإطار التنسيقي وتوقعات بوجود انفراجة مرتقبة كما تحدثت قيادات كردية. وتكمن هذه الانفراجة في إطار مقاربة أوسع لإنتاج تسوية شاملة للرئاسات الثلاث، في ظل رغبة متزايدة بالحسم خلال شهر رمضان وإنهاء حالة “الحكومة المعلقة” تحت ضغوط إقليمية ودولية وانقسام داخلي.
ويؤكد تعاقب المعطيات أن جوهر الحراك ليس مجرد اختيار اسم رئيس الجمهورية بل سعي لإنتاج تسوية سياسية تشمل تقاسم الرؤى وتخفيف منسوب الخلاف، بما يسمح بإرساء عامل استقرار يخفف من تداعيات الخلافات على الموازنة والملفات المالية والعلاقة مع بغداد في ظل ضغوط خارجية تشدد على إنهاء حالة الشلل.
تسوية كردية لخفض سقف الاشتباك
داخل البيت الكردي، بدأت الواقعية السياسية تتقدم على سياسة كسر الإرادات، فالأكراد يدركون أن الإصرار على مرشح يثير اعتراضات شيعية وسنية سيؤدي إلى استمرار الحواجز أمام استحقاقات الإقليم، بما فيها الموازنة والملفات المالية والعلاقة مع بغداد. لذا تتجه النقاشات نحو شخصية توافقية أقل استفزازاً وتقدر أن تكون جسراً بين أربيل وبغداد، بما يفتح باباً لإنتاج الاستقرار بما يعزز الدور الكردي ضمن إطارٍ أوسع. ويدعم هذا التوجه رغبة دولية في أن يكون منصب رئيس الجمهورية عامل استقرار لا نقطة اشتباك جديدة.
أوضح عبد السلام برواري، النائب السابق في برلمان إقليم كردستان عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن الحزب أبدى مرونة واضحة في التعاطي مع ملف الرئاسة وتراجع عن سقف الاشتباك لصالح خيار التوافق، غير أن الاتحاد الوطني الكردستاني لا يزال متمسكاً بمرشحه ويرى أن الرئاسة حصة كردية كاملة وليست حكراً على طرف بعينه. وأشار إلى أن التعثر الحقيقي لا يعود إلى الموقف الكردي بقدر ما يخص انقسام الإطار التنسيقي نفسه، خصوصاً بخصوص ترشيح نوري المالكي، حيث لم يحسم الإطار قراره حتى الآن، فيما جرى إلغاء اجتماع أخير بطلب من المالكي، وهو ما يعكس عمق الخلافات الداخلية.
وأكد أن الحديث عن انفراجة يبقى مشروطاً باتفاق القوى الشيعية على مرشح واضح وقابل للتسويق داخلياً وخارجياً، يحظى بقبول أوسع ولا يفتح باباً لأزمات مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة مثل الولايات المتحدة. وتضيف المعطيات أن الأكراد يملكون 63 مقعداً مقابل 266 مقعداً لبقية الكتل، وهو رقم يكفي لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية حتى في حال مقاطعة الكرد، ما يعني أن التعطيل يعود إلى غياب توافق القوى الكبرى على رئيس الوزراء المقبل. كما أن انتخاب رئيس الجمهورية يفرض دستورياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً، وهو استحقاق يصعب المرور به في ظل الانقسام المستمر.
الإطار التنسيقي.. انقسام حول المالكي
في المقابل، يظل مشهد الإطار التنسيقي معقداً بفكرة سحب ترشيح المالكي، التي تثير جدلاً حاداً بين أجنحته. فبين من يرى أن المرحلة تتطلب تنازلاً تكتيكياً لتسهيل تشكيل الحكومة، وبين من يرى أن الانسحاب سيفسر كاستجابة لضغوط خارجية، تتباين الآراء داخل الإطار. وأشار عضو الإطار عامر الفائز إلى أن ما يثار عن حسم قرار الانسحاب ليس دقيقاً، فالإطار لم يتوصل إلى موقف موحد بعد.
ولفت إلى وجود تيار يرى أن الانسحاب ضروري لتجنب ضغوط أميركية محددة، في حين يخشى آخرون أن الانسحاب في هذا الظرف قد يضعف موقف العراق أمام واشنطن ويؤدي إلى تمدد المطالب لاحقاً. وتقترح طروحات ثالثة صيغة وسطية تقضي بأن يتولى المالكي المنصب لفترة محدودة ثم يخرج لاحقاً لتلافي الإحساس بالخضوع للضغط. وتؤكد المصادر أن الملف لا يزال قيد النقاش داخل الإطار التنسيقي، ولم يصل إلى نتيجة نهائية.
وتؤكد المعطيات أن الحديث عن مقايضة مع القوى الكردية غير محدد رسمياً، لأن المالكي لا يزال متمسكاً بالبقاء مرشحاً، في حين يتحدث بعض الأطراف عن طرح بدائل أو عودة إلى أسماء سابقة أو اعتماد شخصية جديدة ذات بعد اقتصادي وسياسي وعلاقات إقليمية مقبولة، لكن تبقى هذه الطروحات في إطار النقاش وليست قراراً حازماً بعد.
دور واشنطن والموقف الدولي
يحضر البعد الخارجي بقوة في هذه المعادلة، فالحكومة العراقية تقف عند تقاطع حاد بين ضغوط الولايات المتحدة لإعادة ترتيب البيت السياسي وتمكين مؤسسات الدولة ونفوذ إيران داخل قوى الإطار التنسيقي. ويرى مراقبون أن واشنطن تنظر إلى رئاسة الجمهورية بوصفها مفتاحاً لتشكيل الحكومة المقبلة وليست مجرد منصب بروتوكولي، وتؤكد ضرورة وجود توافق كردي-كردي ينهى الخلاف ويتيح اختيار رئيس وزراء يقود المرحلة المقبلة.
ويشير هؤلاء إلى أن الاتحاد الوطني الكردستاني يرى الرئاسة جزءاً من إرثه، ما يجعل واشنطن حريصة على مراعاة هذه الحساسية لكسب حليف أقرب في بغداد. وتؤكد القراءة الأميركية أن الإدارة لن تدفع باتجاه شخصية جدلية أو مرتبطة بمحاور إقليمية، بل تفضل مرشحاً مستقلاً نسبياً قادر على تحقيق الاستقرار الداخلي وعلاقة متوازنة مع واشنطن. وتقلص هذه العوامل فرص المالكي بفعل الانقسام داخل الإطار والتنبيه الأميركي غير المعلن، إضافة إلى غياب دعم واضح من المرجعية الدينية، ما يدفع باتجاه البحث عن بديل توافقي.
صفقة «السلة الواحدة» واحتمال التوصل إلى تسوية كاملة
تتزايد الافتراضات بأن السياسة قد تتجه نحو «صفقة سلة واحدة» تشمل تمرير رئيس الجمهورية مقابل الاتفاق على رئيس الوزراء وبقية الاستحقاقات دفعة واحدة، وهو خيار يبدو الأكثر سرعة لكسر الجمود أمام الضغوط الشعبية والخدمية والاقتصادية. ومع ذلك، ينطوي هذا المسار على مخاطر كبيرة، فاختلاف اسم واحد قد يفجر التفاهمات كلها، رغم أن بعض القوى لا تزال ترفض تقديم تضحيات كبيرة وتخشى من خسارة النفوذ أو الظهور بمظهر المتراجع.
في المحصلة، تبدو «الانفراجة» أقرب إلى تسوية اضطرارية تفرضها موازين القوى أكثر منها توافقاً مريحاً، وبين حسابات أربيل وبغداد وضغوط واشنطن وتوازنات طهران يتحرك الجميع في مساحة ضيقة عنوانها تقليل الخسائر. فإذا نجحت القوى السياسية في تحويل تفاهماتها الصامتة إلى اتفاق مكتمل خلال رمضان، فقد تخرج البلاد من دوامة التعطيل أخيراً، وإذا عادت الحسابات الفئوية إلى الواجهة فتبقى الحكومة معلقة وتبقى الانفراجة مجرد وعد مؤجل.




