صحة

علماء يجرون تعديلًا وراثيًا على فيروس الهربس لعلاج سرطان الدماغ

أظهرت دراسة سريرية حديثة أن حقنة واحدة من علاج فيروسي معدل وراثياً قادرة على تحفيز استجابة مناعية قوية داخل أورام الدماغ، ما ساهم في إطالة بقاء مرضى الورم الأرومي الدبقي.

ويقع العلاج ضمن مفهوم يسمى الفيروس الحال للأورام، وهو فيروس جرى تعديله جينياً ليصيب الخلايا السرطانية ويدمرها بشكل انتقائي، دون الإضرار بالخلايا السليمة.

وأظهرت النتائج أن الفيروس لا يقتل الخلايا فحسب، بل يستدعي خلايا مناعية متخصصة للتوغل عميقاً داخل الورم والبقاء فيه لفترات طويلة، ما يعزز قدرة الجهاز المناعي على مهاجمة السرطان.

وقال الباحث المشارك كاي فوشربفينيغ إن مرضى الورم الأرومي الدبقي لم يستفيدوا من العلاجات المناعية التي أحدثت تحولاً جذرياً في علاج سرطانات أخرى مثل الميلانوما، لأن هذا الورم يعد ورماً بارداً يفتقر إلى تسلل كاف للخلايا المناعية المقاومة للسرطان.

كيف يعمل الفيروس الحال للأورام وآلية التصميم

جرى تطوير الفيروس المستخدم في التجربة بواسطة أنطونيو كيوكا، مدير مركز أورام الجهاز العصبي، وهو مشتق من فيروس الهربس البسيط بعد تعديله وراثياً بحيث يتكاثر فقط داخل الخلايا السرطانية.

يعمل الفيروس عبر إصابة الخلية السرطانية وقتلها، ثم يعيد نسخ نفسه لينتقل إلى خلية سرطانية أخرى، كما أن العدوى نفسها تحفز استجابة مناعية ضد الورم.

يتبنى الفيروس الحال للأورام آلية تجمع بين التدمير المباشر وتحفيز الجهاز المناعي، ما يجعله من أكثر الأساليب ابتكاراً في علاج الأورام.

في الخطوة الأولى، جرى تعديل الفيروس وراثياً في المختبر ليفقد قدرته على إصابة الخلايا السليمة، ويصبح قادراً على التكاثر داخل الخلايا السرطانية، مع استغلال ميزات الخلايا الورمية مثل ضعف آليات الدفاع المضاد للفيروسات أو اضطراب مسارات النمو.

بعد دخول الفيروس إلى الخلية السرطانية، يبدأ في نسخ مادته الوراثية وإنتاج نسخ جديدة، ومع تكاثر الفيروس داخل الخلية تمتلئ الخلية بالجزيئات الفيروسية لتنفجر في عملية التحلل الخلوي، ما يؤدي إلى موت الخلية وتنتشر النسخ الجديدة إلى خلايا سرطانية مجاورة.

ولكن التأثير لا يقتصر على القتل؛ عند تحلل الخلية السرطانية، تُطلق المستضدات الورمية وإشارات التهابية ناتجة عن العدوى، وتعمل هذه الإشارات كمحفز قوي للجهاز المناعي، وتدفع الخلايا التائية والخلايا المتغصنة إلى موقع الورم.

استجابة جهاز المناعة وتداعيات التجربة

وتلتقط الخلايا المتغصنة المستضدات وتعرضها على الخلايا التائية، فتنشط استجابة مناعية نوعية تستهدف الخلايا السرطانية، وبذلك يتحول الورم من بيئة باردة تقل فيها الاستجابة المناعية إلى بيئة ساخنة غنية بالخلايا المناعية القادرة على مهاجمة السرطان.

وفي بعض الأحيان يُعزز الفيروس وراثياً ليحمل جينات إضافية تنتج مواد محفزة للمناعة مثل السيتوكينات، ما يزيد من قوة الاستجابة المناعية داخل الورم.

وفي المرحلة الأولى من التجربة التي شملت 41 مريضاً يعانون من عودة الورم الأرومي الدبقي، أظهر العلاج تحسناً في معدلات البقاء مقارنة ببيانات تاريخية لهذه الحالة، خصوصاً لدى المرضى الذين لديهم أجسام مضادة سابقة للفيروس.

وحلل الباحثون طبيعة الاستجابة المناعية، فتبيّن أن العلاج أدى إلى تسلل طويل الأمد للخلايا التائية داخل الورم، وأن اقترابها من الخلايا السرطانية ارتبط بزيادة بقاء المرضى، كما ساهم في زيادة أعداد الخلايا التائية الموجودة مسبقاً في الدماغ.

ويقول الباحثون إن النهج المزدوج – التدمير المباشر وتحفيز المناعة – يمنح الفيروسات الحال للأورام إمكانات واعدة، خاصة في الأورام التي لم تستجب للعلاجات المناعية التقليدية.

وأوضحوا أن زيادة تسلل الخلايا التائية ينعكس على فائدة علاجية للمرضى، مؤكدين أن النتائج قد تشكل تطوراً في علاج سرطان الدماغ الذي لم يشهد تغيراً جذرياً منذ نحو عشرين عاماً.

ويأمل الباحثون أن يمهد هذا النهج الطريق لاستراتيجيات تجمع بين الفيروسات المعدلة والعلاج المناعي، ما يفتح آفاق واعدة لتحسين نتائج المرضى المصابين بأورام الدماغ العدوانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى