اخبار سياسية

وثائق إبستين في بريطانيا.. عاصفة سياسية تهدد حكومة ستارمر

الإطار العام والكشف الجديد

أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن الكشف عن الدفعة الثانية من ملفات جيفري إبستين، وتضمنت نحو 35 مليون صفحة من الوثائق المرتبطة بالملف، وهو ما أشعل جدلاً سياسياً وإعلامياً في بريطانيا وتداعياته امتدت إلى الولايات المتحدة حيث يتزايد النقاش حول نفوذ النخبة والسلطة.

أثارت التطورات في المملكة المتحدة صدمة كبيرة على المستوى السياسي، حيث تصاعدت المطالب باستقالة أشخاص مثل مورجان ماك سويني وتيم آلان، وتبرز في وسائل الإعلام تكهّنات باستقالة رئيس الوزراء كيـر ستارمر نفسه.

أوضحت شارلوت ليزلي، عضو البرلمان البريطانية السابقة، أن التفاوت في ردود الفعل يعكس طبيعة النظامين السياسيين في البلدين، معتبرة أن فضيحة واسعة تطال شخصيات نافذة وتثير أسئلة حول موازين المحاسبة العامة في كل بلد.

اعتبر روبرت فوكس، الصحفي والمؤرخ البريطاني المخضرم، أن هذا التفاوت قد يكون مؤقتاً وأن الوضع قد يتغير مع الكشف عن مزيد من التفاصيل حول علاقات النخبة الأميركية بإبستين، معتبراً أن الفضيحة أعمق من المتوقع وأنها لم تنته فصولها بعد.

كيف بدأت الأزمة

لم تكن الشكوك حول تورّط شخصيات بريطانية بارزة وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات مضت وتبلورت مع تقارير عن علاقات إبستين بنخبة سياسية، خاصة اللورد بيتر ماندلسون الذي كان له دور بارز كمرشح لرئاسة الوزراء ومستشار لها وتولى لاحقاً تمثيل المملكة في الاتحاد الأوروبي.

في يوليو 2025 كشفت وسائل إعلام أن ماندلسون كان من بين الموقعين والمشاركين في تقريظ كتاب عيد الميلاد الموجه إلى إبستين، وهو دفتر يضم رسوماً وصوراً فاضحة ويُجمعه على ما يبدو عشيقته السابقة جيسلين ماكسويل المحكومة بالسجن بتهم الاتجار بالبشر واستغلال القاصرات.

وفي سبتمبر من العام نفسه اضطر رئيس الوزراء البريطاني كيـر ستارمر إلى إقالة ماندلسون من منصبه كسفير للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة، بعد تأكيد صحة توقيعه على الكتاب المشبوه وثبوت استمرار علاقته بإبستين حتى بعد إدانته في 2007 بتهم استغلال قاصر جنسياً والاتجار في الدعارة.

استقالة “أمير الظلام” لم تحلّ الأزمة بذاتها بل أطلقت نقاشاً سياسياً أوسع حول سبب اختيار ستارمر لمندلسون ثم تعيينه سفيراً، وما إذا كان ذلك المصير سيؤدي إلى تفاقم الأزمة داخل حزب العمال وخارجه.

رشاوى وتسريبات حكومية

كشفت الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين أن بيتر ماندلسون تلقّى نحو 75 ألف دولار من إبستين على دفعات مباشرة وغير مباشرة بين 2003 و2004، وفق سجلات وزارة العدل الأمريكية، وكان حينها مستشاراً لرئيس الوزراء السابق توني بلير ومفوض المملكة لدى الاتحاد الأوروبي.

وأظهر جزء من هذه التحويلات أن المال حُوِّل عبر حساب شريك ماندلسون، رينالدو دا سيلفا، بزعم تغطية تكاليف جلسات علاج طبيعي، بينما نفى ماندلسون علمه بهذه التحويلات.

غير أن هذه المدفوعات ليست أبرز الاتهامات؛ ففي عام 2009، وأثناء توليه منصب وزير التجارة في حكومة جوردون براون، سُرّبت مذكرة حكومية إلى إبستين تتضمن توصية ببيع أصول مملوكة للدولة بقيمة تقارب 20 مليار دولار لتخفيف الدين العام، كما كشفت عن تفاصيل كاملة لمشروع ضريبي حكومي كان مقترحاً، بما في ذلك فرض ضريبة استثنائية على مكافآت المصرفيين ضمن إجراءات إنقاذ كبيرة.

وفي ديسمبر 2009 نصح ماندلسون إبستين بالتواصل مع جيمي ديمون، المدير التنفيذي لبنك جي بي مورغان، للضغط على وزير المالية آنذاك، وهو ما وصفت BBC بأنه تصرف “غاضب” في حينها ولم يتضح من يقف وراءه.

وفي مايو 2010 أبلغ ماندلسون إبستين بأن الاتحاد الأوروبي يعتزم تخصيص نحو 500 مليون يورو لدعم العملة الموحدة، وهو خبر تم تداوله بواسطة مصادر مطلعة من داخل الأوساط الأوروبية.

تُعَتَّبُ هذه التصرفات من وجهة نظر القانونين استغلالاً فاضحاً للنفوذ وتخطيّاً لسرية الدولة وتواطؤاً محتمل في التلاعب بالأسواق، وهو ما دفَع الشرطة البريطانية إلى اقتحام منزلين يملكانه ضمن تحقيقات حول شبهات سوء سلوك عام، وفق ما ذكرت تقارير إعلامية لاحقة.

ومع اتساع التداعيات، قدّم رئيس الوزراء السابق براون شهادة مكتوبة للسلطات، وفي بداية فبراير أُعلن أن ماندلسون استقال من حزب العمال، فيما استمرت التحقيقات البريطانية في شبهة سوء السلوك.

اهتزاز الثقة بالحكومة

أظهرت التطورات تساؤلات عميقة حول سبب اختيار ستارمر لشخص مثل ماندلسون ثم تعيينه سفيراً في واشنطن، رغم سجل حافل بالجدل، وهو ما جعل بعض القيادات داخل الحزب تطالب بمساءلة ستارمر واستبعاد هذه الشخصية من المشهد السياسي.

ولم تقف السقوط عند مستوى الحكومة فقط، إذ أشار محللون إلى أن الاستعانة بماندلسون وربط ذلك بموقف ستارمر قد يعرضه لضغوط ضخمة في معترك السياسة، خاصةً مع ضغط نواب الحزب وقياداته لدفع وفتح ملفات التحقق ونشر الوثائق المرتبطة بالقضية.

واعترف مورجان ماك سويـني، أحد كبار مساعدي رئيس الوزراء، بأنه حمل مسؤولية القرار باستقدام ماندلسون وتعيينه سفيراً، وهو ما دفعه إلى إعلان استقالته من منصبه في وقت تصاعدت فيه المطالب السياسية باستقالة ستارمر من القيادة.

الأسرة المالكة وأندرو

لم تترك التطورات الحكومة وحدها بل طالت العائلة المالكة، حيث كشفت الدفعة الثانية عن طبيعة العلاقة التي ربطت الأمير أندرو، الشقيق السابق للملك تشارلز، برجل الأعمال إبستين، ما أثار قلقاً واضحاً في قصر باكنغهام.

وأعرب الملك تشارلز عن قلقه العميق حيال الاتهامات المرتبطة بأندرو، مع تأكيد استعداده لدعم الشرطة في حال تواصلها معه في شأن الادعاءات، وذلك بعد أن فتح الشرطة البريطانية تحقيقاً حول احتمال قيام الأمير بتسريب وثائق سرية إلى إبستين خلال عمله مبعوثاً تجارياً.

وتشير تقارير الشرطة إلى احتمال أن الأمير أرسل تقارير رسمية عن رحلات خارجية إلى سنغافورة والصين وهونغ كونغ وفيتنام إلى إبستين خلال 2010 و2011، وهو ما يجعل السلطات البريطانية تستدعي الأمير للاستماع إليه أمام المحققين في لندن أو أمام الكونغرس الأميركي بحسب التطورات.

ويرى مراقبون أن مجرد توجيه هذا الاتهام يلحق ضرراً كبيراً بسمعة المؤسسة الملكية حتى في غياب دليل قاطع على خرق السرية، وأن الأمر قد يستلزم حضور أندرو للإدلاء بشهادته يوماً ما في بريطانيا أو أمام الكونغرس الأميركي.

يذكر أن أندرو دفع تعويضاً بقيمة 12 مليون دولار لفيرجينيا جيوفري في 2022 لتسوية دعوى اتّهامه باغتصابها عندما كانت تبلغ 17 عاماً، وترافقت هذه القضية مع نشر رسائل تُشير إلى استمرار تواصله مع إبستين حتى فترات لاحقة.

وتُذكر جيوفري، التي توفيت في ظروف غامضة في أبريل الماضي، في مذكراتها أنها كتبت بأن الأمير يظن أنه من حقه ممارسة الجنس معها لأنه وُلِد أميراً، وهو ما يعكس جانباً من سلوك الأمير وفقاً لما ورد في المذكرات المنشورة لاحقاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى