شمال الليطاني: منطقة جغرافية تشكل إطاراً للخلافات بين الحكومة اللبنانية وحزب الله

شمال الليطاني كمؤشر يومي على جدّية الدولة في حصر السلاح
بدأت الفكرة تتداول كإطار سياسي يومي للإشارة إلى مدى التزام الحكومة بتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، وتحديداً عبر وضع شمال الليطاني في قلب هذا الإطار كمؤشر حيّ على القدرة على فرض سيطرة الدولة على السلاح بكل المناطق اللبنانية.
تبيّن جغرافياً أن منطقة شمال الليطاني تمتد من شمال مجرى نهر الليطاني حتى نهر الأولي جنوب لبنان، وفق خطة عسكرية أعدّها الجيش اللبناني وقدمها للحكومة كإطار لتنفيذ قرار الحصر الذي اتخذته في 5 أغسطس 2025.
قسمت الخطة إلى خمس مراحل، فكانت المرحلة الأولى تشمل جنوب نهر الليطاني، أي القرى والبلدات الممتدة من جنوب مجرى النهر حتى الخط الحدودي مع إسرائيل، وكانت تعرف باسم “قرى الشريط الحدودي”.
وعمل الجيش اللبناني نحو ثلاثة أشهر في هذه المنطقة، التي تخضع أيضاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006، والذي ينص على أن تبقى المنطقة خالية من السلاح والمسلحين.
وبعد انقضاء الثلاثة أشهر، أعلن الجيش سيطرته الكاملة على جنوب الليطاني، وبدأ الحديث عن المرحلة الثانية، أي شمال الليطاني، وهي مرحلة تختلف تماماً عن الأولى في طبيعتها وأهدافها.
بينما ينتظر الجيش إعداد خطة للعمل في شمال الليطاني وتقديمها للحكومة، سبَق حزب الله الجيش والحكومة بالإعلان صراحة أنه لن يقبل بتسليم سلاحه في شمال الليطاني، وهو موقف يعكس انقساماً حاداً حول تطبيق القرار على هذه المنطقة داخلياً وخارجياً.
صرّح غالب أبو زينب، عضو المجلس السياسي في حزب الله، بأن المعادلة ليست مسألة قبول أو رفض فحسب، وإنما إطار يحكم مسار الأمور، وأن هناك اتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701 يتعلقان بجنوب الليطاني ويُلزمان الطرفين لبنان وإسرائيل، بينما مسألة شمال الليطاني داخلية لبنانية تتعلق باستراتيجيات الأمن الوطني.
أشار إلى أنهم مستعدون كما صرّح الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لمناقشة كيفية الاستفادة من عناصر القوة وتحقيق قرار حصر السلاح بيد الدولة كأمر داخلي لبناني، بما يحفظ التوازن ويضمن الاستقرار الداخلي.
وقال أبو زينب إن الجانب الإسرائيلي يجب أن يخرج من النقاط التي يحتلها ويسمح بإعادة إعمار المناطق، محذراً من تحويل المشكلة إلى خلاف داخلي والحفاظ على حقوق اللبنانيين وضبط مسار الأمور مع ضمانات دولية في أميركا وغيرها.
وأكد أن الرئيس اللبناني جوزاف عون تجاهل مشكلة أساسية بين اللبنانيين عندما تحدث عن قرار حصر السلاح الذي اتخذته الحكومة بالإجماع، معبّراً عن الرفض وعدم الاعتراف بالقرار، وأن شيعة لبنان لن يشاركوا في تسليم سلاح لحزب إسرائيل بالهيمنة على القرار الوطني، مع التأكيد على أن المسألة ليست مجرد خيار سياسي وإنما مسألة وطنية مصيرية.
ورداً على سؤال بشأن كيفية تصرّف حزب الله حال طلبت الحكومة من الجيش البدء بالمرحلة الثانية، قال أبو زينب إن السؤال موجه إلى الجيش وليس إلى الحزب، مؤكداً أن الجيش وطني وعاقل وأن قائد الجيش يتسم بالعقلانية في اتخاذه للقرار.
إرث حرب 2006 وتوازن القوى
قال النائب مارك ضو إن حزب الله لا يزال يعيش في زمن عام 2006 ويعتقد أن معارك ذلك العام التي أدت إلى القرار 1701 ما زالت تنطبق عليه، رغم مرور عشرين عاماً وهزيمته العسكرية، وهذا يجعل الأولويات حالياً في لبنان تتجاوز ما كان عليه الوضع في تلك الفترة وتعيد تشكيل سلطة وطنية موثوقة لدى اللبنانيين.
وأكد أن أولويات هذه السلطة والتزاماتها تجاه المجتمع الدولي تشمل حصر السلاح كأولوية مطلقة لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية، واستعادة الأسرى، وتثبيت الحدود، وصيانة الدولة اللبنانية، مع التزام الحكومة باتفاق الطائف وبحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية وتكرارها علناً من قبل الحكومة والرئيسين بالحكومة والجمهورية.
وأوضح أن هذا يعني، من الناحية السياسية، أن المعادلة الداخلية قد تغيّرت، وأن هناك حاجة إلى قراءة مختلفة لمفهوم الأمن والحدود وتوازن القوى في لبنان، بما يضمن سيطرة الدولة على السلاح في كامل الأراضي.
تساءل عما تعنيه منطقة شمال الليطاني بالنسبة لحزب الله في الجانب العسكري ومدى ارتباطها بالقرارات الوطنية، وهو سؤال يطرح في سياق تفسير الحزب لقرار وقف إطلاق النار والالتزامات التي نص عليها، مع طرح خيار أن تكون المنطقة موضوعاً في إطار استراتيجيات الدفاع الوطني أكثر منها مسألة عابرة.
اعتبر الخبير العسكري حسن جوني أن شمال الليطاني تشكل “النفق الدفاعي الثاني” في استراتيجية حزب الله الدفاعية، وتكشف عن بنية دفاعية يراهن الحزب عليها في حال مواجهة إسرائيل، خاصة أن هذه المنطقة خارج نطاق عمل قوات اليونيفيل وتتيح قواعد ووسائط دفاعية تحت الأرض في جبال المنطقة الشرقية من إقليم التفاح.
وأشار إلى أن قدرات الحزب في شمال الليطاني ضعفت كثيراً نتيجة الضربات الإسرائيلية التي تواصلت خلال الحرب الأخيرة، وأن الحزب لم يعد يمتلك القدرة على الردع بالحجم السابق، وإنما يعتمد دفاعياً على وجود قوى تقليدية وأسلحة محدودة لا يمكن تدميرها بالكامل.
تطرق جوني إلى أنه من الطبيعي أن تبقى بعض الأسلحة والصواريخ لدى الحزب من غير المدمرة كلياً، وأن هذه القواعد في شمال الليطاني والبقاع الشمالي قد تكون المتبقية من ترسانة الحزب، محكّماً أنها محصنة داخل جُبُها وبواطن الجبال وتتعرض لهجمات جوية متكررة لاستهداف مداخل هذه المقرات تحت الأرض.
وحول استمرار وجود السلاح لدى الحزب في شمال الليطاني عقب موافقته على نزعه جنوباً، فسر جوني ذلك بأن الحزب يربط قراره بسياسته تجاه القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار، وهو يرى أن احتفاظه بالسلاح في الداخل يحافظ له على قدرته الدفاعية ويمنع وضعه في وضعية العار ويقلل مخاطر الاعتداء الإسرائيلي الجديد.
أشار إلى أن إيران لها تأثير على ملف سلاح حزب الله وتزويده بكل الاحتياجات اللوجستية والمالية والعسكرية، وأن هناك تنسيقاً بين إيران وقادة الحزب حول مصير السلاح وقرار تسليمه، مع الإشارة إلى أن إيران حتى الآن لم توافق على تسليم الحزب لسلاحه بسبب توتر الأوضاع في المنطقة، ما يجعل من ورقة القوة لدى إيران محل اعتبار في سياق الترتيبات المقبلة.
اختتم الخبير العسكري حديثه بالتأكيد على أن إيران محاصرة وتواجه مخاطر عالية، وأن وضعها يستدعي أدوات ضغط سياسية وعسكرية حادة، وهو ما يؤثر بدوره في خيارات الحزب وتقييمه لمصير سلاحه في شمال الليطاني كخيار داخلي يندمج مع الاستراتيجية الإقليمية الشاملة.




