اخبار سياسية

بين طاولة الحوار وقائمة الطعام: معضلة القوى المتوسطة في علاقة أميركا بالصين

تصاعد القلق لدى عدد من حلفاء الولايات المتحدة مع لجوء الرئيس الأميركي إلى نهج خارجي أكثر صدامية، شمل تهديدات تجارية واسعة، وتشككاً علناً في الالتزامات الأمنية الأميركية، والتلميح إلى تقليل الدور التقليدي لواشنطن داخل حلف الناتو. وتبّعت هذه التطورات مراجعات في سياسات خارجية وأمنية لدول ليست من القوى الكبرى، في ظل نظام دولي يشهد تراجعاً في الضمانات التقليدية.

وفي منتدى دافوس، دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ما سماه “القوى المتوسطة” إلى عدم الارتهان لقوة واحدة والبحث عن خيارات بديلة عبر التنويع وبناء قدرات مستقلة. ويُذكر أن مفهوم القوى المتوسطة غير موحد أكاديمياً، فبينما يذكره كثيرون كدول مثل كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل، يتضمن آخرون ضمن هذا التصنيف دولاً إضافية مثل السعودية ومصر وتركيا اعتماداً على أدوارها الاقتصادية والسياسية ونفوذها الإقليمي.

ويسود نقاش عميق حول ما إذا كانت القوى المتوسطة يمكن أن تملأ الفراغ في عالم تهيمن فيه الصين والولايات المتحدة، أم أن وجودها يظل محدوداً، ما دفع إلى التفكير في “مسار ثالث” يعزز التعاون التجاري، وت diversifying سلاسل التوريد، وإصلاح النظام متعدد الأطراف ليصبح أكثر استقلالية وتوازناً. وتفيد قراءة كثير من الخبراء بأن بناء هذا المسار يتطلب تأسيس علاقات ومؤسسات بين هذه الدول، إضافة إلى قدرة عسكرية أقوى وتحالفات مستعدة للثبات عليها رغم أي تغير في المواقف الأميركية.

وينبغي فهم أن التكتلات التي تقودها القوى المتوسطة ليست دائماً تحالفات دائمة، وإنما أطر تعاون يمكن أن تكون مؤقتة وتختلف بحسب الأزمة والقضية المطروحة، إذ يرى بعض المحللين أن المصالح والقدرات والاستعداد للمخاطر لا تتطابق على نحو ثابت، فالتنسيق بينها يظل هشاً ومتغيراً، ويعني ذلك أن أي ائتلاف تقوده قوى متوسطة قد يعمل في إطار محدد وقائم على قضية بعينها وليس كجبهة دائمة.

ويرى بعض المحللين أن المسار الممكن لا يقوم على قطعٍ حاسم مع واشنطن بقدر ما يتطلب تقييداً للاستدعاءات الأميركية عند الحاجة وتعاوناً متبادلاً في مجالات الاقتصاد والتجارة، مع الحفاظ على روابط طويلة الأمد أينما أمكن. وفي هذا السياق يرى المحلل الكندي آدم تشابنيك أن القوى المتوسطة ليست في موقع يتيح لها تحويلها إلى قوة إقليمية مهيمنة من دون وجود إقليم واضح وقوة ردع كافية، إذ تجد هذه الدول نفسها أمام عائق بنيوي يتمثل في تباعد المصالح وتكرار اختلاف الأولويات، وهو ما يجعل التنسيق بين هذه الدول ائتلافاً قابلاً للتغير وفق الأزمة.

من جهة أخرى، يلاحظ أن أوروبا واليابان والهند وكندا والبرازيل عندما تحركوا كقوى متوسطة، يعكسون رغبة في تعزيز دورهم خارج الاعتماد الأحادي على واشنطن، بينما يحذر بعض المحللين مثل جيوم جوبان من أن هذه التحالفات بعيدة جغرافياً قد لا تصمد، وأن مفهوم القوى المتوسطة لا يزال محل جدل وأن دولاً كفرنسا وألمانيا واليابان لا تزال تقبل بالضغوط الأميركية وتستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة في الكثير من المجالات، ما يعكس عمق الارتباط الاستراتيجي وتعارض المصالح أحياناً.

ويؤكد توديد إلى ذلك أن التحركات الأميركية الأخيرة تترك باباً واسعاً أمام الدول المتوسطة لتوسيع تعاونها مع الصين كأحد مكونات التوازن العالمي، وهو ما يتجلى في زيارة رئيس الوزراء الكندي للصين وتوقيع اتفاقات تجارية مع جهة تعتبر الصين فيها شريكاً موثوقاً، بالإضافة إلى زيارة رئيس الوزراء البريطاني بكين كجزء من مسار تقوده هذه القوى نحو تعددية عالمية وتوازن اقتصادي. وتذهب قراءة إلى أن الصين تفضل التريث وتنتظر وضوح المسار العام في ظل التحديات الداخلية، فبينما يسعى بعض الدول إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، تبقى الصين حذرة من مبادرات قد تتجاوز قدرتها على التنفيذ.

وتبرز قضايا العلاقات مع واشنطن كقضية حاسمة، فحتى داخل أوروبا، تتفاوت الرؤى حول مدى قدرة هذه الدول على اتخاذ رد فعل جماعي مستقل في مواجهة تهديدات أو إجراءات أميركية، ومنها ملف الرسوم أو التوترات التجارية، والتجدد في قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك بشكل جماعي في مواجهة ضغوط واشنطن أو في توسيع الشراكات خارج الإطار الأميركي. وفي إطار هذا النقاش يلاحظ بعض المحللين أن اليابان يعمل على تقوية تحالفاتها ومعها كوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين وبريطانيا بنطاق أوسع من العلاقات الأمنية، بما يجعلها في موقع جيد لدور تقييدي على الولايات المتحدة أو تعزيز الاستقرار الأمني في آسيا.

أما في أوروبا فهناك اجتهادات متباينة، فبينما يرى بعض المحللين أن أوروبا ليست جاهزة لمواجهة الضغط الأميركي بشكل مستقل، يبرز آخرون تشابك المصالح مع الولايات المتحدة ووجود حوار داخلي مستمر حول شكل العلاقة بين القوة الأوروبية وأميركا، وهو ما يفسر عدم وجود جبهة موحدة حيال قضايا مثل تغيّر التوجه الأميركي أو مقايضة الحلفاء بمساهماتهم. وفي هذا السياق تظل أسئلة الصين وروسيا بدائل محتملة، فزيارة كندا إلى الصين وتوقيع اتفاقيات تتعلق ببيع مركبات كهربائية، مع زيادة التبادل التجاري، إلى جانب زيارة رئيس الوزراء البريطاني الصين، يعكسان توجه بعض القوى المتوسطة نحو تنويع الشراكات وفتح قنوات جديدة مع الصين كجزء من مسار التوازن العالمي.

وفي ظل هذا الوضع، يرى بعض المحللين أن الصين وروسيا قد تشكلان بدائل، لكن يبقى من المهم تقييم قدرتيهما على دعم توازن عالمي مستدام، خصوصاً مع وجود مخاطر وتحديات داخلية وخارجية تؤثر في قدرتهما على فرض إرادتهما بالصورة التي تتطلبها قوى متوسطة قادرة على التأثير خارج إطار القوة المهيمنة. وتبقى فكرة المسار الثالث حاضرة كخيار لتخفيف الاعتماد المطلق على أي قوة، مع الإبقاء على القنوات مع واشنطن مفتوحة حين تتوافق المصالح وتتحسن الشروط، بما يفتح باباً لاستثمار إمكانات القوى المتوسطة في بناء نظام عالمي أكثر توازناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى