خطوط جوية تحلّق على أجنحة الحرب!

بدأت فكرة النقل الجوي المدني تتبلور مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كرد فعل على الحاجة الملحّة لوسائل نقل نشطة وبمنخفضة التكلفة تساهم في إعادة إحياء الاقتصاد وتسرّع عملية التعافي.
وجهت ألمانيا، رغم الهزيمة والظروف الصعبة، اهتمامها بسرعة نحو سوق السفر الجوي الناشئ مستفيدة من تقنية الطائرات ذات السطحين التي بدأت تشهد تقدماً سريعاً في تلك الفترة، وتبيّن أن تطوير طائرات مدنية من الصفر يحتاج وقتاً وموارد قد لا تكون متاحة، فبرز خيار تحويل الطائرات العسكرية الفائضة لتلائم أغراض النقل السلمي.
من أبرز هذه الطائرات المعدّلة طائرة ألباتروس جي.2، ذات السطحين، التي كانت تُستخدم سابقاً كطائرة هجوم أرضي. جرى تطويرها بإدخال تعديلات كبيرة شملت إضافة مقصورة ركاب مغلقة، بينما بقيت قمرة القيادة مفتوحة، ما فرض على المسافرين الأوائل ارتداء خوذات ونظارات واقية وبدلات طيران ثقيلة وأحذية من الفرو لمواجهة برد الجو ورياح الرحلة.
استُخدمت نحو ثلاثين طائرة من هذا النوع لأغراض مدنية في تلك الحقبة التأسيسية، وكانت الرحلة الأولى لشركة الملاحة الجوية الألمانية في فبراير 1919، شحن فقط، حيث نُقلت أربعة آلاف نسخة من إحدى الصحف بين برلين وفايمار لمسافة نحو 250 كيلومتراً. ولم تلبث الخدمة أن توسعت لاحقاً لتشمل الركاب والبريد، لتصبح هذه الطائرات أول طائرات ركاب تدخل الخدمة المنتظمة في ألمانيا.
بعد هذه البداية المعتمدة على المعدات العسكرية المعاد توظيفها، سعت الصناعة إلى تطوير نفسها فصممت وأُنتجت شركة بي إم دبليو أول طائرة مدنية أصلية، فارتفع عدد هذه الطائرات إلى خمس عشرة بنهاية السنة التالية.
كانت الشركة المشغلة، وهي مملوكة للدولة، تحمل اسم الملاحة الجوية الألمانية “دويتشه لوفتفارت”، وشعارها طائر الكركي. في سنة 1922 خضعت الشركة لخصخصة جزئية وتحولت إلى شركة لوفتهانزا العملاقة، مع الإبقاء على الشعار التاريخي نفسه.
لم يقتصر هذا الحماس على ألمانيا وحدها، بل انتشر في بقية أوروبا بسرعة كبيرة. ففي 22 مارس 1919 افتتحت شركة فارمان الجوية خطاً أسبوعياً يربط باريس وبروكسل. ثم، في 25 أغسطس من العام نفسه، بدأت شركة تحولت لاحقاً إلى الخطوط الجوية البريطانية بتسيير رحلات يومية بين لندن وباريس. وفي 7 أكتوبر 1919 تأسست الخطوط الجوية الملكية الهولندية “كي إل إم” لتكون أقدم شركة طيران في العالم مازالت تعمل تحت اسمها حتى اليوم.
على غرار تلك الشركة الألمانية الرائدة، تبنت خطوط جوية حول العالم تقليداً بوضع شعارها على هياكل طائراتها، وهو ما ساهم في بناء الهوية البصرية للعلامات التجارية في هذا القطاع الحيوي.
نما قطاع النقل الجوي بشكل هائل منذ تلك البدايات. ففي عام 1929 لم يتجاوز عدد مستخدمي السفر الجوي نحو 434 ألف مسافر حول العالم. بينما نقل أكثر من أربعة مليارات مسافر جوا في عام 2017، مع توقع وصوله إلى نحو 5.2 مليار بحلول 2026.
تشير الأرقام الحديثة إلى وجود أكثر من خمسة آلاف شركة طيران عاملة حول العالم، تتراوح بين شركات إقليمية صغيرة وشركات وطنية وعابرة للقارات كبيرة. وكانت الدول الخمس الأولى من حيث عدد المسافرين جوا في 2025 هي: الولايات المتحدة بحوالي 666.1 مليون، الصين بحوالي 440.3 مليون، روسيا حوالي 96.8 مليون، الهند حوالي 84 مليون، وأيرلندا حوالي 74.1 مليون.
أما شركة لوفتهانزا، الوريث الشرعي لتلك البدايات التاريخية، فقد تحولت إلى عملاق عالمي، حيث تسير رحلاتها اليوم إلى 78 دولة وأكثر من مائتي وجهة حول العالم. يتكون أسطولها كاملًا، بما في ذلك الشركات التابعة، من نحو 620 طائرة. وبلغ إجمالي حركة المسافرين على متنها في عام 2013 نحو 104.5 مليون مسافر، ما يجعلها واحدة من أكبر مجموعات شركات الطيران في العالم.
وهكذا تروي قصة أول رحلة منتظمة في 1919 ملحمة تحويل جذري من فكرة ولدت من رحم الدمار إلى صناعة عالمية ضخمة تشكل شريان الحياة للاقتصاد المعاصر وتعيد تشكيل مفهومي المسافة والزمن.




