علاقات طويلة شهدت محاولات غزو: كيف أيقظ ترمب “تروما” كندا التاريخية؟

يُواصل التاريخ تشكيل علاقة اقتصادية وأمنية وتكامل بين الولايات المتحدة وكندا تمتد لأكثر من قرن وتظل الحدود بينهما الأطول في العالم بلا تحصينات، لكن هذا الوضع يواجه تغيّرات عميقة بفعل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب العدائية تجاه كندا وتشكّكه في سيادتها ورد فعل أوتاوا.
تصاعدت حدة التراشق بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث ناقش كارني محاولات كندا لتنويع اتفاقاتها التجارية على أربع قارات بعيداً عن النفوذ الأميركي، بينما أشار ترمب إلى ضغوط اقتصادية وتحديات تواجه النظام القائم على القواعد، قائلاً إن الأقوياء يفعلون ما يرام في علاقة الدول الكبرى بالعالم.
الولاية 51
قبل عودته رسمياً إلى البيت الأبيض ألمح ترامب إلى فكرة ضم كندا لتصبح الولاية رقم 51، واصفاً رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بأنه «حاكم الولاية»، وما بدا في البداية مزحة ثقيلة سرعان ما تحول إلى تصريح جاد مع استمرار الترَّم في التلميح.
بعد شهر واحد في ولايته الثانية، انتقد ترامب معاهدة 1908 التي ترسم الحدود الدولية بين كندا والولايات المتحدة، لافتاً إلى رغبته في مراجعة الحدود. ومع أن محاولتي غزو سابقتين لكندا فشلت، فإن النقاش السياسي ظل حاضراً، وتكرر عالميّاً الحديث عن السيادة والحدود كأدوات ضغط وتفاوض.
خلفية تاريخية طويلة
في الأصل كانت كندا والولايات المتحدة مستعمرتين بريطانيتين، وفي 1776 أعلنت الولايات المتحدة استقلالها، واعترفت بريطانيا بذلك عام 1783. بعد مئة عام تقريبا استقلت كندا، إلا أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شهدا توترات كبيرة، إذ حاول جنود الولايات المتحدة خلال الثورة الأميركية وحرب 1812 غزو كندا للضغط على البريطانيين لكنهم فشلوا.
وأوضح أستاذ التاريخ رون ستاج أن علاقة البلدين شهدت تغيرات منذ ثلاثينيات القرن العشرين، حين تعاونت كندا مع الولايات المتحدة في شؤون الدفاع لتصبح العلاقات أقوى فيما بعد، خصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية، مع وجود توترات بسيطة أثناء فترات الكساد الكبير عندما رفعت الولايات المتحدة الرسوم على الدول الأخرى بما فيها كندا.
خوف قديم من فقدان السيادة
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان هناك خوف كندي من فقدان سيادتها أمام الاندفاع الأميركي، فكلما طرحت اتفاقيات تجارة حرة رفضها الكنديون خوفاً من أن يسيطر الأميركيون على السوق الكندي ويُضعِفوا الصناعات المحلية. يرى أستاذ الدراسات الدفاعية آدم تشابنيك أن هذا الخوف يعكس قلقاً من أن تكون الشراكة الاقتصادية أداة لإخضاع سيادة الدولة الكندية.
ومع ذلك بقيت العلاقات التجارية قائمة، وإن حدثت أزمات كبرى مثل فرض قانون سموت-هاولي في أواخر الثلاثينيات، حيث تبادلت كندا تعريفات مع الولايات المتحدة كإجراءات رد فعل، في وقت ساد فيه التنافس الاقتصادي بين الدول الكبرى.
علاقة وطيدة ومنغّصات مشروعة
مع الحرب العالمية الثانية تقاربت العلاقات أكثر فركّزت على التعاون الدفاعي والاقتصادي، ثم ظهر دور NORAD في حماية القارة من التهديدات الجوية السوفيتية المحتملة. ورغم الاختلافات العلنية حول حرب فيتنام، بقيت الشراكة قوية وتطوّرت عبر الزمن حتى دخلت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك منظومة نافتا في أواخر الثمانينيات، ما أدى إلى نمو التجارة بين الدولتين بشكل كثيف وصولاً إلى مليارات الدولارات ثم إلى نواة اقتصادية أقوى في الشمال الأميركي.
ويُشير الباحثون إلى أن الاعتماد الكبير لكندا على الولايات المتحدة في التجارة جعل العلاقة استثنائية لكن مع حفاظ كندا على استقلالها السياسي والهوية الوطنية والبدائل الاقتصادية التي سعت لتطويرها.
ولاية ترمب الأولى وأدوات الضغط
مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض لأول مرة، أصبحت الرسوم الجمركية أداة ضغط اقتصادي سياسي، ففي 2018 فرض تعريفات على واردات الصلب والألمنيوم من دول منها كندا التي كانت مستثناة سابقاً، فردت كندا بإجراءات مضادة وفرضت تعريفات بنحو 13 مليار دولار ورفعت شكوى في منظمة التجارة العالمية. وبعد نحو عام رفع ترامب التعريفات عن كندا سعياً لاستبدال اتفاقية التجارة الحرة نافتا باتفاقية جديدة أطلق عليها USMCA، مع إبقاء قضية التعريفات والرسوم كعوامل ضغط.
ورغم أن حجم التبادل التجاري بين الشركاء ارتفع عبر USMCA، ظهر أن ترمب يرى أسباباً اقتصادية وراء تغيّر مواقع الشركات ونقل بعضها إلى المكسيك بسبب الأجور، وهو ما أدى إلى جدل حول تأثير ذلك على الوظائف والصناعات. يرى كيم نوسال أن ترامب كان يضيق الخناق على كندا كأنها شريك تجاري غير عادل، بينما يرى روفينسكي أن النمط كان يعكس سعي الإدارة إلى فرض تسويات سياسية قابلة للإدارة شعبياً، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تسوية USMCA كبديل للاتفاق القديم.
المسار الثالث
مع وصول ترامب إلى الولاية الثانية، فرض رسوماً جمركية نسبتها 25% على واردات السيارات، وهو ما هدأ جملة من العلاقات ووضع كارني أمام خيار إعادة تصور الاقتصاد الكندي ليتناسب مع عالم مختلف، مع وعوده السابقة بتنويع الشركاء التجاريين. وتزامن ذلك مع جهود كندا لتعزيز العلاقات مع أوروبا والصين في مجالي الدفاع والتجارة وتوقيع شراكات استراتيجية في قطاع السيارات، في وقت تراجع فيه الصادرات الكندية نتيجة التعريفات وتراجع الطلب الأميركي. ومع انعكاس هذه الإجراءات وتباطؤ النمو، انخفض اقتصاد كندا وتراجعت تجارة كندا مع الولايات المتحدة، وتزايدت حدة النقاشات حول مستقبل العلاقات بين الدولتين.
وفي دافوس، ألقى كارني خطاباً تحدث فيه عن تغيّر دور القوى العظمى في العصر الحالي واعتمادها على القوة والترهيب، وطرح خيارين أمام الدول المتوسطة: إما التنافس مع بعضها البعض لإيجاد النفوذ، أو بناء مسار ثالث يربط بينها بعيداً عن الاعتماد الكامل على قوة كبيرة. يرى ديفيد روفينسكي أن هذا المسار يعكس سعي كندا للحفاظ على استقلالها وبناء بدائل تقلل حساسية الاقتصاد الكندي أمام صدمات واشنطن، فيما يرى آدم تشابنيك أن المسار الثالث خطوة منطقية لتقليل الاعتماد من نحو 80% إلى نحو 50% وتطوير قدرات دفاعية واقتصادية مستقلة ولكن ضمن إطار تشبيك اقتصادي قوي مع الولايات المتحدة.
افتراضات أمنية ومستقبل غامض
في تلك الأجواء، أجرت القوات الكندية خلال منتدى دافوس محاكاة لغزو افتراضي من قبل الولايات المتحدة كطريقة لاختبار الاستعداد الدفاعي، وهو نموذج يعكس قلقاً مبنياً على تاريخ صراعات الشرق الأوسط وتهديدات الحلفاء. وفي الوقت نفسه تتصاعد المناقشات حول طوارئ دفاعية غير تقليدية وتقييمات أمنية لمستقبل العلاقات في ظل سياسات ترمب تجاه الناتو وتوسع المصالح الأميركية، ومنها مسألة جرينلاند وخلافات علنية على منصات التواصل. يرى بعض المحللين أن هذه المناقشات لا تعبر عن خطط رسمية بقدر ما تعكس رسالة سياسية مفادها أن كندا ستقاوم أي محاولة للضم بالقوة، وأن العلاقات في المستقبل ستظل قائمة لكنها ستكون جزءاً من شراكة أكثر مرونة وتوتراً وتوازناً بين مصالحهما، مع استمرار وجود أطر تعاون اقتصادي وتبادل حدودي يجمعهما رغم كل التحديات.




