اخبار سياسية

أكراد سوريا: رحلة ثمانين عاماً من التهميش إلى التجنيس

أصدر الرئيس السوري مرسومًا رقم 13 لعام 2026 يقر تجنيس الأكراد المقيمين على الأراضي السورية، بما في ذلك من مكتومي القيد، مع مساواة كاملة في الحقوق والواجبات.

وينص المرسوم على إلغاء العمل بجميع القوانين والتدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 في الحسكة، وتمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، لا سيما مكتومو القيد، وتُعدّل الحقوق والواجبات وفق المبدأ ذاته.

ويؤكد المرسوم أن الأكراد جزء أساسي من الشعب السوري، وتعتبر هويتهم الثقافية واللغوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والمتماسكة. وتلتزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي وتضمن حق المواطنين الأكراد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم ضمن إطار سيادة الوطن.

يعيش الأكراد في سوريا بشكل رئيسي في الشمال والشمال الشرقي، إضافة إلى تجمعات في المدن الكبرى. ويشكل الأكراد غالبية السكان في الحسكة، خاصةً في القامشلي والدرباسية وعامودا، وفي ريف حلب الشمالي في عفرين وكوباني. كما توجد أحياء كردية في حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية. وفي دمشق توجد أحياء تقطنها أغلبية كردية، أبرزها حي ركن الدين، إضافة إلى تجمعات محدودة في محافظات أخرى مثل حماة واللاذقية.

وتشير تقديرات حكومية بريطانية إلى أن الأكراد يشكلون نحو 10% من سكان سوريا، وتقدر أعدادهم بنحو 1.5 إلى 2.5 مليون شخص تقريباً حتى نهاية 2025.

ويقول مؤرخون أكراد إن كثيراً من السكان السوريين يملكون أصولاً كردية، لكنهم فقدوا هويتهم بسبب العيش في محيط عربي وتعرضهم لحملات تعريب من أحزاب حكمت سوريا لعقود. كما أن أعداد الأكراد غير دقيقة بسبب غياب إحصاءات رسمية، إضافة إلى النزوح واللجوء خلال سنوات الحرب منذ 2011.

أكراد سوريا منذ الاستقلال

تعود أزمات الأكراد إلى ما بعد انتهاء الانتداب الفرنسي عام 1946، حيث صعدت الأحزاب القومية العربية وتبعتها سياسات لم تحسم الحقوق السياسية والثقافية للأكراد.

ينتمي غالبية الأكراد في سوريا إلى الدين الإسلامي السني، مع وجود أقليات مسيحية وإيزيدية وعلوية، وتعتبر الكردية لغتهم الأم بالرغم من أن كثيرين منهم يتحدثون العربية في الحياة اليومية وتعلموا لغتهم في مدارس غير موحدة.

بعد الاستقلال تأسست الجمهورية السورية وتبنت سياسة قومية عربية صارمة، وهو ما أدى إلى ضغوط على الهوية الكردية وحقوقهم، مع استمرار سياسات مركزية تقيد اللغة والثقافة الكرديتين.

وخلال فترة ما بعد الاستقلال جرى فرض إثبات الإقامة والأصول المدنية بطرق تحد من حقوق الأكراد وتضع عراقيل أمام اندماجهم السياسي والثقافي.

إحصاء 1962 في الحسكة

في 23 أغسطس 1962 أصدرت الحكومة مرسومًا 93 بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة، مشترطة إثبات الإقامة منذ 1945، وادعت أن المهاجرين الأكراد من تركيا والعراق دخلوا سوريا بشكل غير مشروع وبوثائق غير صحيحة.

نتيجة الإحصاء، أُدرج الكرد في ثلاث فئات: مواطنون احتفظوا بالجنسية، وأجانب جُردوا من الجنسية وسجلوا كمقيمين، ومكتومو القيد غير المسجلين أصلًا في سجلات الأحوال المدنية. أدى ذلك إلى تجريد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية، وهو ما يعادل نحو 20% من أكراد سوريا آنذاك.

ورث الأبناء الذين وُلِدوا لاحقًا وضع آبائهم من دون جنسية، ما زاد من عدد من لا يحملون الجنسية السورية، وفي كثير من الحالات كان من الصعب تقديم وثائق رسمية بسبب فقدانها أو لأنها لم تصدر أصلًا. كما ذكرت تقارير كردية أن بعض الأسر لم تقبل وثائقها لأسباب إدارية أو تحيزات.

وفي 1963، بعد صعود حزب البعث إلى السلطة، كتب تقرير وصف الوجود الكردي في الحسكة بأنه «مشكلة قومية» ودعا إلى إجراءات منهجية ضد الأكراد، بما فيها منع التملك والتضييق والتهجير، وصولاً إلى فكرة إنشاء «الحزام العربي» لتغيير التوزيع السكاني في المناطق ذات الأغلبية الكردية على طول الحدود مع تركيا.

انتفاضات كردية

على مدى عقود حافظ الأكراد على هويتهم وثقافتهم، واحتفظوا بلغتهم رغم القيود، واستمروا في الاحتفال بالنوروز الذي يصادف 21 مارس من كل عام، لكن كثيراً من التجمعات الكردية في سوريا كانت تُعامل قبل 2011 كفئة غير قانونية.

بعد استقلال سوريا عام 1946 شهدت البلاد احتجاجات كردية ضد الإقصاء والتمييز، وتخللتها فترات من القمع الأمني، خصوصاً خلال حكم حافظ الأسد ثم في أواخر القرن العشرين، حيث ظهرت انتفاضات كردية في الحسكة والقامشلي وتوزعت أحداثها بين المطالب السياسية والحقوق الثقافية. وفي 2004 شهدت القامشلي انتفاضة كبيرة ضد القمع وأسفرت عن إصابات وخسائر واعتقالات، كما عُقِبت فعاليات كردية أخرى بطرق قاسية في مراحل لاحقة.

عندما بدأت الاحتجاجات ضد النظام في 2011 شارك الأكراد بقوة في الحراك الشعبي، وحاول الأسد استمالتهم عبر مرسوم رئاسي منحه الجنسية السورية للأكراد المسجلين كأجانب في الحسكة، غير أن مكتومي القيد لم يشملهم ذلك القرار، فبقيت قضيتهم بلا حل آنذاك.

الحرب ضد داعش وتطور الإدارة الكردية

ومع ظهور داعش وتوسع نفوذه في 2014 تشكلت فصائل كردية، خصوصًا وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ، كأذرع عسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعتبره تركيا الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني. ورغم مشاركة فصائل عربية وسريانية في إطار التحالف الدولي، فقد تمكنت الوحدات الكردية من بناء علاقة مع الولايات المتحدة وكونت الشريك المحلي الأبرز في الحرب ضد التنظيم، حيث تلقت دعمًا ماليًا وعسكريًا ولوجستيًا، وبحلول 2019 تمكنت من طرد داعش من معظم المناطق التي سيطرت عليها، خصوصًا في دير الزور والرقة وريف حلب. وفي هذه الفترة سعت القوات الكردية إلى تأسيس كيانات سياسية وإدارية في المناطق التي تسيطر عليها، وتبلورت فكرة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بقيادة قوات سوريا الديمقراطية قسد، وهي تجمع يضم كردًا وعربًا وسريان وأقليات أخرى.

الإدارة الذاتية والتطور العسكري والسياسي

في مطلع 2018 سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على سد الفرات والطبقة وباغوز، وامتدت سيطرتها إلى نحو ثلث مساحة سوريا، وتأسست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا كإطار إداري شبه مستقل يتولى الحكم محليًا عبر مجالس محلية مع وجود الجيش الذي تقوده قسد في مناطق عديدة.

بعد سقوط نظام الأسد في 2024، أبرمت قسد اتفاقًا مع الحكومة السورية يهدف إلى دمج الجيش وتوحيد الإدارة، لكن الاتفاق واجه عقبات وانهار في يناير الماضي، فاندلعت حملة عسكرية سورية في شرق وشمال شرق البلاد وسيطرت القوات الحكومية على جزء واسع من المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد، وبقيت جيوب محدودة شمال شرق البلاد إضافة إلى كوباني كجبهة معزولة نسبياً على الحدود مع تركيا.

أعلنت الحكومة السورية وقوات الأمن الداخلي عن اتفاق جديد يتيح دخول قوى الأمن الداخلي إلى أكبر مدينتين في محافظة الحسكة، الحسكة والقامشلي، إضافة إلى تشكيل فرقة عسكرية من قسد تتكون من ثلاثة ألوية، مع التأكيد على وحدة أراضي سوريا. ويطبق الاتفاق على أربع مراحل خلال شهر واحد من الإعلان، ويتضمن دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتوفير حماية تلك المناطق من قبل القوات الحكومية بما يضمن عودة الموارد إلى الدولة، إضافة إلى دمج جميع العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً، وحماية خصوصية المناطق الكردية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى