هدنة هشة.. مساعٍ دولية وإقليمية لدفع اتفاق 18 يناير بين دمشق و«قسد»

أجواء الترقب والتبدّل في شمال سوريا
تسود حالة ترقّب في سوريا حيال مصير المناطق ذات الوجود الكردي الكثيف في الحسكة وريف حلب مع اقتراب المواجهات منها، وتزايد انتشار الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية حول خطوط التماس.
تصاعدت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات قسد في جبهتي الحسكة وعين العرب بريف حلب الشمالي الشرقي، وترافق القصف البري والجوي مع نجاحات محدودة، رغم وقف إطلاق النار في 20 يناير لأربعة أيام وتمديده حتى 8 فبراير.
أعلنت وزارة الدفاع السورية تمديد المهلة 15 يوماً لإتاحة فرصة للولايات المتحدة لنقل عناصر تنظيم داعش من سجون قسد في الحسكة إلى العراق.
قلّص الجيش السوري مساحة سيطرة قسد من نحو 60 ألف كيلومتر مربع إلى أقل من 10 آلاف كيلومتر، شملت الحسكة ودير الزور والرقة وحلب، عبر معارك محدودة بدأت في 6 يناير في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب ووصلت إلى مشارف اليعربية شرق الحسكة.
تجلى التخلي الأميركي عن قسد في تمهيد الطريق أمام الجيش السوري للوصول إلى نحو 50 ألف كيلومتر مربع خلال أسبوعين، عقب فشل آخر جلسة مفاوضات حول تطبيق اتفاق العاشر من مارس 2025، ويترافق ذلك مع حشد الجيش في حلب وريفها وإعلان الحرب ضد قسد.
كشف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أن دور قسد كقوة رئيسية في التصدي لداعش انتهى، معتبراً أن القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي أمن السجون والمخيمات المحتجز فيها المتطرفون وأفراد عائلاتهم، واعتبر أن هذا يفتح نافذة أمام الأكراد للاندماج في الدولة السورية الجديدة ومنحهم حقوق المواطنة الكاملة والحماية الدستورية للغة والثقافة الكردية والمشاركة في الحكم، وهو ما يتجاوز الحكم الذاتي الجزئي السابق.
وشدد باراك على أن المخاطر تبقى، مثل هشاشة وقف النار والاشتباكات المتفرقة ومخاوف المتشددين ورغبة بعض الأطراف في إعادة إحياء مظالم الماضي، مع سعي الولايات المتحدة لضمان حماية حقوق الأكراد وتعزيز التعاون في مكافحة داعش، معتبرًا أن البديل الانفصال الطويل قد يفضي إلى زعزعة الاستقرار أو عودة داعش، وأن الاندماج المدعوم بالدبلوماسية الأميركية هو أقوى فرصة للأكراد لضمان حقوقهم وأمنهم ضمن دولة سورية معترف بها.
هدنة 18 يناير أُعلنت كاتفاق يقضي بوقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس، وبانسحاب قوات قسد شرق نهر الفرات كخطوة لإعادة الانتشار، إضافة إلى دمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وتولي الحكومة السورية السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، مع حماية الموارد وإعادتها للدولة، إلى جانب دمج العناصر العسكرية والأمنية لـقسد ضمن هيكل وزارتي الدفاع والداخلية بشكل فردي بعد التدقيق الأمني ومنحهم الرتب والمزايا، مع حماية خصوصية المناطق الكردية.
ثم أعلن مظلوم عبدي القائد العام لـقسد الذي زار دمشق في 19 يناير النفير العام للدفاع عن ما سماه روج آفا أو كردستان في وجه القوات الحكومية التي تريد السيطرة على المدينة بالقوة.
وفي 20 يناير سيطرت القوات الحكومية على كامل ريفي دير الزور الشمالي والشرقي، وريفي الحسكة الجنوبي والشرقي بما فيها حقول نفط وغاز ومعامل غاز كونيكو والشدادي، في إطار الهدنة التي تهدف إلى تطبيق بنود اتفاق 18 يناير وتدفع قسد للاندماج كمكوّنات في مؤسسات الدولة السورية والتعهد بإخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من البلاد، وتقديم قوائم بأسماء فلول النظام المتواجدين في مناطق سيطرتها، إضافة إلى دمج العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن مؤسسات الدولة بشكل تدريجي وتدقيق أمني مع حماية خصوصية المناطق الكردية.
مدّدت وزارة الدفاع السورية المهلة 15 يوماً حتى 8 فبراير المقبلين بهدف منح فرصة إضافية لـقسد لترتيب أوراقها مع إتاحة الفرصة للأميركيين لإخلاء سجون داعش في الحسكة، وتبقى هذه الهدن هشة في ظل خروق يومية من الطرفين بالمسيرات أو القصف البري المباشر وسط محاولات لكسب مناطق جديدة.
الإدارة الذاتية: ملتزمون باتفاق 18 يناير
أوضح العمر وجود تصعيد عسكري خطير في شمال وشرق سوريا، خصوصاً حول خراب عشق والجلبية في جنوب شرق عين العرب، عبر هجمات من فصائل موالية للحكومة وباستخدام دبابات وآليات مدرعة مع هجمات بطائرات مسيّرة تركية، رغم وجود هدنة، ما تسبب بسقوط ضحايا ووجود جثث تحت الأنقاض.
أوضح العمر وجود قنوات اتصال مباشرة مع دمشق، إضافة إلى اتصالات مستمرة مع الأميركيين عسكرياً ودبلوماسياً ومع قيادات إقليم كردستان العراق، إضافة إلى دور فاعل للرئيس الفرنسي ماكرون في التواصل مع مظلوم عبدي والرئيس السوري، وذلك في إطار جهود تقرب وجهات النظر وتسهّل آليات تنفيذ الاتفاقات، بما فيها دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوى سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي ضمن مؤسسات الدولة السورية وفق جدول زمني محدد.
أشار العمر إلى أن هذه القوى تشكل ضامناً للاتفاقات في ظل حالة انعدام الثقة، معبّراً عن أمله في أن تفضي الجهود إلى نتائج ملموسة تستمر بها الهدنة وتفتح باب التفاوض بنجاح.
ذكر صالح مسلم عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي أن حل قسد والأسايش غير وارد حتى الآن، مؤكداً أن الشعب لا يمكن أن يُترك بلا حماية ذاتية، مع الإشارة إلى إمكانية تغيير الاسم أو تنظيم القوات بطريقة تتيح الاندماج في وزارتي الدفاع والداخلية، وأن الإدارة الذاتية تبذل جهوداً لتجنب صدام داخلي وتفادي حرب أهلية عبر انسحاب قسد من الرقة ودير الزور كإجراء لتخفيف التوتر.
وأوضح مسلم أن وقف إطلاق النار جرى إثر تفاوض جرى في أربيل بمشاركة المبعوث الأميركي ورئيس إقليم كردستان وقيادة قسد، وأن الولايات المتحدة تقود الجهود التفاوضية وتبقى قنواتها مفتوحة مع دمشق وتواصلها مع الأطراف المعنية مستمرة، بما في ذلك دعم إقليمي من كردستان العراق.
مصدر في الجيش السوري: الخيارات مفتوحة
قال مصدر ميداني سوري إن قسد تخرق الهدنة بشكل يومي عبر هجمات برية وطائرات مسيّرة في محاور الجوادية في الحسكة وعين العرب، وتتعامل القوات السورية مع هذه الخروقات بما تقتضيه الظروف، مع الإشارة إلى أن وحدات الجيش تنتظر توجيهات القيادة العامة للدخول في الوقت المناسب، وأنه لا تدخل حاليّاً في قرية كردية في الحسكة أو في عين العرب، وأن القرار بالدخول سيكون من صلاحيات قوى الأمن الداخلي لضمان سيادة الدولة، مع احتمالية فتح خيارات أخرى إذا استمر خرق 18 يناير وتزايد التصعيد.




