كيف يتهيّأ حلف الناتو لخوض حرب في القطب الشمالي؟

يسعى الناتو إلى إعادة توجيه اهتمامه نحو أمن القطب الشمالي، في ظل تزايد التحذيرات من الدول الإسكندنافية بشأن تصاعد الوجود العسكري الروسي في المنطقة، خصوصاً في شبه جزيرة كولا التي تضم أحد أكبر التجمعات النووية في العالم.
تضغط دول شمال أوروبا باتجاه انخراط أوسع في الحلف، معتبرة أن أي تهديد محتمل عبر القطب الشمالي يمس أمن الولايات المتحدة وأوروبا، تزامناً مع تركيز أميركي متزايد بقيادة الرئيس دونالد ترامب على جرينلاند ضمن حساباتها الدفاعية.
أوضح وزير الدفاع النرويجي توري سانفيك أن أقصر مسار طيران لصاروخ عابر للقارات يطلق من كولا باتجاه المدن الأميركية الكبرى يعبر عبر القطب الشمالي وجرينلاند، وأنه حتى لو حدثت حملة صاروخية، فسيستغرق الأمر 18 دقيقة ليصل إلى مدينة أميركية بسرعة تقارب سبعة كيلومترات في الثانية، مضيفاً أن هذا يمثل دفاعاً عن الوطن، ولهذا يطرحه أمام ترامب والحلفاء.
طموحات ترامب بشأن جرينلاند
خلال العام الماضي ركَّز ترامب بشكل عدواني على جرينلاند في إطار سعيه للنفوذ على الجزيرة الدنماركية الواقعة في القطب الشمالي، لكن موافقته الأسبوع الماضي على إطار اتفاق مع الأمين العام للناتو مارك روته حوَّلت تركيز الحلف نحو أمن القطب الشمالي، وهو موضوع طالبت به الدول الإسكندنافية لعقود.
قالت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن: يجب على الناتو زيادة انخراطه في القطب الشمالي، فالدفاع والأمن في القطب الشمالي مسألة تخص الحلف ككل.
وبالنسبة للدول الخمس الإسكندنافية (السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا وآيسلندا)، يمثّل ذلك فرصة لإعادة النقاش الجيوسياسي حول تهديد روسيا، خصوصاً أن روسيا عادت لتوسيع وجودها العسكري في القطب الشمالي مع إبراز بوتين نفسه. بعد نهاية الحرب الباردة قلّصت دول القطب الشمالي وجودها العسكري، وأغلقت الولايات المتحدة قواعد في جرينلاند وآيسلندا.
لكن روسيا بدأت إعادة إحياء تواجدها العسكري في القطب الشمالي قبل الغرب بوقت مبكر، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين.
تسيطر روسيا حالياً على نحو نصف مساحة الأرض والمياه في القطب الشمالي، ما يمنحها حضوراً أكبر بفارق واضح عن الدول الثماني الأخرى التي لها وجود في المنطقة، بما فيها الولايات المتحدة وكندا والدول الإسكندنافية الخمس.
اليوم تمتلك موسكو أكثر من 40 منشأة عسكرية على امتداد ساحل القطب الشمالي، وتشمل قواعد ومطارات ومحطات رادار وموانئ.
عقيدة روسيا النووية
يلعب القطب الشمالي دوراً أساسياً في العقيدة النووية الروسية، فهو موطن الأسطول الشمالي المتمركز في سيفيرومورسك على شبه جزيرة كولا، الذي يشغّل ست غواصات من أصل 12 غواصة نووية لدى البلاد، وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
ويؤكد خبراء أن الأسطول الشمالي، وبخاصة غواصاته، يشكّل ركيزة رئيسية للردع الاستراتيجي الروسي، ومع ذلك ما زال يخضع لعمليات تحديث مستمرة.
كما حافظت روسيا على مستوى عالٍ من الجاهزية في موقع تجربتها النووية في نوفايا زمليا، حيث اختبرت صاروخاً جوالاً يعمل بالطاقة النووية في أكتوبر الماضي، وتروج لاستخدام طريق البحر الشمالي لتقليص زمن الشحن بين الصين وأوروبا، رغم أن حركة الشحن لا تزال دون المستهدف.
قلق إسكندنافي متزايد
تراقب الدول الإسكندنافية القريبة من روسيا التطورات بقلق وتحث الناتو على الانخراط بصورة أكبر، لكن المعارضة الأميركية حالت دون ذلك في الوقت الراهن.
قال وزير الدفاع النرويجي للصحيفة البريطانية: نعلم أن الروس يزيدون نشاطهم في الشمال، وأن الوضع الأمني يتأثر بذوبان الجليد القطبي، ومع صعود الصين كقوة إقليمياً لها مصالح عالمية أعلنوا أنفسهم دولة قريبة من القطب الشمالي.
وأضاف مسؤول إسكندنافي آخر: تركيز الموارد العسكرية في منطقتنا ضخم للغاية. كما قال الأدميرال الإيطالي جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، إن القطب الشمالي يحظى باهتمام كبير من الحلف وأنه مفتوح للملاحة الحرة وفرص التعدين والتنقيب عن النفط والغاز.
تدريبات على الظروف الشتوية القاسية
كثّفت قوات تابعة لعدد من الدول الأعضاء في الناتو تدريباتها في ظروف القطب الشمالي في النرويج وفنلندا وجرينلاند، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وفي مارس المقبل سيشارك نحو 25 ألف جندي من مختلف الدول، بينهم أربعة آلاف أميركي، في مناورة “الاستجابة الباردة” Cold Response في شمال النرويج، بهدف التدريب على القتال الجوي والبحري والبري في ظروف الشتاء القاسية.
وإلى جانب إعادة تركيز الولايات المتحدة على التهديد الروسي، يأمل الإسكندنافيون أن يبرز الاهتمام المتجدد بأمن القطب الشمالي أهميتهم بالنسبة لواشنطن.
وهناك منطقتان بحريتان حاسمتان يمكن أن يتنافسا فيهما الناتو وروسيا: فجوة جيوك بين جرينلاند وآيسلندا وبريطانيا، و”فجوة الدب” بين سفالبارد النرويجي والبر الرئيسي قرب شبه جزيرة كولا. قال سانفيك: النرويج تستخدم طائرات استطلاع من طراز B-8، إضافة إلى الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة بعيدة المدى والغواصات والفرقاطات لمراقبة فجوة الدب ومناطق أخرى، وهذا جزء من الدفاع عن المنطقة وتجنب التصعيد مع روسيا.
وأكد مسؤول إسكندنافي أن الولايات المتحدة تعتمد على هذه المعلومات الاستخباراتية، وأن العلاقات متبادلة، ولدينا وعي ميداني بما تفعله روسيا على الجانب الآخر من الحدود، كما يمكن للولايات المتحدة استخدام مجالنا الجوي لمراقبة روسيا.
يركز اهتمام القطب الشمالي بشكل كبير على مراقبة ما قد يأتي عبر الجو أو تحت الماء، بدلاً من التخطيط لعمليات برية، وقال مسؤول دنماركي: من المستحيل غزو جرينلاند، فثلثاها ثلوج وجليد، ولا يمكن السيطرة عليه بسهولة.
يبدو أن ترامب يرى جرينلاند ضمن إطار منظومة الدفاع الصاروخي المعروفة بـ”القبة الذهبية”، التي ستعتمد أجهزة استشعار وأقماراً اصطناعية واعتراضات لصد المقذوفات قبل وصولها إلى الولايات المتحدة. وتدير الولايات المتحدة القاعدة العسكرية الرئيسية في الجزيرة القطبية، وهي قاعدة بيتوفيك الفضائية في أقصى الشمال الغربي، وتستخدمها لأنظمة الرادار للإنذار المبكر.
عسكرة القطب الشمالي
لكن كثيرين في الدول الإسكندنافية يخشون وجود منطق حتمي وراء عسكرة القطب الشمالي، وهو منطقة كانت حتى الآن من المناطق القليلة في العالم التي يمكن وصفها بأنها منخفضة التوتر، وتضم ملايين السكان من بينهم شعوب أصلية مثل سكان جرينلاند. وقال مسؤول إسكندنافي: القلق أن الأمن يهيمن على أجندة القطب الشمالي، وننسى قضايا أخرى مهمة مثل تغيّر المناخ والبنية التحتية وحقوق الشعوب الأصلية، ولا يجلب لنا ذلك مكاسب كبرى لأن المنطقة صعبة للنشاط العسكري.
وفي الوقت الراهن، هناك أيضاً إقرار بأن الحرب الروسية الأوكرانية أبطأت وتيرة الحشد في القطب الشمالي، لكن هناك وعي بأن روسيا والصين مستعدتان للعب على المدى الطويل في منطقة قد تغيّر فيها ذوبان الجليد الحسابات العسكرية والاقتصادية لعقود. ووصف وزير الدفاع النرويجي سانفيك الوضع بأنه سباق في التنافس الاستراتيجي في القطب الشمالي.




