اخبار سياسية

كيان جديد وأزمات قديمة: هل يقود ترمب مجلس السلام في مواجهة الأمم المتحدة؟

فتَح منتدى دافوس نقاشًا واسعًا حول طبيعة مجلس السلام وحدوده، بعد أن تحوَّل من إطار ما بعد الحرب في غزة إلى منصة عالمية للنزاعات.

وسع ترامب المجلس في يناير ليشمل تأمين سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهدَّدة بالنزاعات، ودعا عشرات القادة من الدول للانضمام إليه، مع ميثاق يخلو من ذكر غزة.

وكان من المفترض أن يتولى المجلس بقيادة ترمب الإشراف على إعادة إعمار القطاع والمرحلة الانتقالية وصولاً إلى تسوية سلمية، في حين منح مجلس الأمن لاحقًا الشرعية للمجلس عبر القرار 2803 حتى نهاية 2027.

غير أن ترمب قرر في يناير توسيع مهام المجلس ليشمل إشاعة سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهدَّدة بالنزاعات، وهو ما رُفِق بدعوات لقيادات عالمية للانضمام إلى المجلس الموسّع، مع ميثاق يخلو من إشارة إلى غزة.

انتقادات أممية

اعتبر مايكل لينك، المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أن المجلس يعاني عيوب جوهرية، أبرزها غياب غزة بالكامل عن ميثاقه، وهو ما يشي بأن المجلس مُمَثل لإطار أوسع من غزة إلى نزاعات وأقاليم أوسع.

وأشار لينك إلى أن الهدف الأساسي للمجلس كان تنفيذ قرار أممي بوقف إطلاق النار في غزة، وأن أعضاءه يفتقرون إلى المعرفة الحقيقية بالقضية الفلسطينية باستثناء رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.

ولخّص لينك أن هذا الخلل في التمثيل يضمن أن المجلس كوصي فعلي على غزة لن يقود مستقبل القطاع نحو دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني.

انضمت قوى إقليمية إلى المجلس، منها الأردن ومصر والسعودية وقطر والإمارات وتركيا، في حين شاركت أوروبا عبر المجر وبولغاريا وكوسوفو وبيلاروس. ويرى الدبلوماسي الأميركي السابق دينيس روس أن من السابق لأوانه الحكم على المجلس قبل اتضاح هيكليته وأعضائه الأكثر فعالية.

وقال روس إن رفض الأوروبيين الانضمام بسبب توترات مرتبطة بملفات مثل جرينلاند أو خشية أن يكون البديل لمجلس الأمن سيؤثر حتمًا في وزن المجلس ونفوذه، لكن المعيار الحاسم يبقى قدرة اللجنة التنفيذية ولجنة إدارة غزة على مباشرة العمل وتحقيق نتائج ملموسة.

وأضاف أن نجاح المجلس في إحداث تحول فعلي في غزة يتطلب نزع سلاح حركة حماس كشرط أساسي لجذب استثمارات لإعادة الإعمار، إضافة إلى انسحاب إسرائيلي. وشدّد على ضرورة ضغط ترامب على تركيا وقطر لدفع حماس إلى الالتزام بخطة النقاط العشرين، مع ضغط مقابل على نتنياهو لتنفيذ انسحاب حال تحقق النزع.

وذكر أن كثيرين لا يرون للمجلس دوراً يتجاوز غزة، وأوضح أن الدول التي دعمت قرار مجلس الأمن 2803 لم تعتبر التفويض وسطيًا إلى نطاق أوسع من القطاع.

بديل للأمم المتحدة؟

لطالما وجّه ترامب انتقادات حادة إلى الأمم المتحدة، وتحدث في مؤتمر صحفي عن رغبة في أن يحل المجلس محل المنظمة الأممية، قائلاً إن ذلك ممكن، معتبرًا الأمم المتحدة غير مفيدة. ثم عاد بعد يومين ليؤكد أن المجلس سيعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة حين يكتمل تشكيله.

اعتبر لينك أن المجلس بلا شرعية دولية وبُنيته وأهدافه مصمّمة لتقويض دور الأمم المتحدة وواجباتها، فيما يرى مينديكوف أن فشل الأمم المتحدة في تنفيذ قراراتها يفتح بابًا أمام إصلاحات مؤسسية محتملة، وأن «مجلس السلام» قد يساهم في هذا الاتجاه في أفضل الأحوال.

ورأى ديفيد ميدنيكوف أن غموض الوضع القانوني لقرارات المجلس يجعل شرعيته رهينة عدم تعارضه مع المعاهدات الدولية، معبرا عن مخاوف من أن ترى بعض الدول في المجلس أداة تهيمن على الساحة الدولية لصالح الدول القوية. أما فريدريك هوف فاعتبر أن أهمية المجلس قد تكون كـ”صدمة سياسية” للنظام الدولي، وأنه قد يفتح نقاشًا حول إصلاح الأمم المتحدة أو بدائل لها، بغض النظر عن مصير المجلس نفسه.

صلاحيات مطلقة

ينص ميثاق مجلس السلام على أن الرئيس الأميركي ترمب هو الرئيس الافتتاحي للمجلس، ولا يجوز استبداله إلا في حال الاستقالة الطوعية أو العجز. ويمنح الميثاق الرئيس صلاحية حصرية في إنشاء الكيانات الفرعية أو تعديلها أو حلّها، كما تقتصر عضوية المجلس على الدول المدعوة من ترمب، مع حق الإقالة في أي وقت، ما لم تستخدم الدول حق النقض بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء.

انتقد دانيال سيروير صلاحيات الترِّيم، قائلاً إن المجلس يوكَل بشكل مبالغ فيه لشخص واحد، وإنه يهدف إلى فرض سلطته على الدول المشاركة. ويقف ديفيد ميدنيكوف مع هذا الرأي، محذرًا من أن الصلاحيات الواسعة قد تُحوّل المجلس إلى أداة هيمنة. وفي المقابل، يرى فريدريك هوف أن الدول ستدرس مصالحها وتُقيِّم المجلس كأداة مكملة للأمم المتحدة ومعزِّزٍ لإصلاحها، وأن موقع ترمب كقائد للولايات المتحدة سيكون له أثر في اختيار الدول المشاركة.”

رسوم العضوية وتداعياتها

دعا ترمب إلى نحو خمسين دولة للانضمام، وبلغت نسبة دول الانضمام رسميًا أكثر من عشرين دولة حتى الآن. ينص الميثاق على عضوية بولاية ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع رسم قدره مليار دولار للدول التي تبقى في المجلس أكثر من ثلاث سنوات. وبعد إعلان انضمام روسيا، قال بوتين إنه مستعد لدفع مليار دولار من أصول روسية مجمّدة لدعم الشعب الفلسطيني.

وصف دانيال سيروير الرسوم بأنها ميزة مركبة من نوع ‘خدعة’ وتوقع أن يؤدي وجود رسم بهذا الحجم إلى الابتزاز السياسي أو انهيار المجلس قبل أن يبدأ العمل فعليًا. بينما قال مايكل لينك إن الرسوم تعكس ابتزازًا عالي المستوى من قبل مطوِّر عقاري، وتوقع أن يتردد عدد كبير من الدول في الدفع لمجرد إرضاء التمايل الإعلامي للرئيس ترمب.

في المقابل، رأى Dennis Ross أن طلب مليار دولار مقبول في حال أُستخدمت لتشغيل المجلس، مع الإشارة إلى أن وجود موارد كبيرة يمكن أن يساعد في تمويل الإعمار وخدمات التنمية في المناطق المنكوبة. أما مينديكوف فاعتبر أن وجود أموال كبيرة قد يساند التنمية بشرط أن تكون هناك آليات شفافية ومراقبة، محذرًا من استخدامها لإثراء مقربين من ترمب أو عائلته، وأن يتم توجيهها لإعادة إعمار الشعب الفلسطيني والمتضررين الحقيقيين في غزة ومناطق أخرى.

ولاحظ أن سلوك الإدارة الأميركية وترددها في الالتزام بتعهدات الأمم المتحدة يضعف الثقة بشأن جدوى المجلس، ويُذكِّر بأن سياسات ترمب الخارجية تتسم بتقلبات قد تعرقل اتساق العمل مع آليات القانون الدولي والمنظومة الدولية.

فرص نجاح المجلس

كان السجل التاريخي يذكر مبادرة مادلين أولبرايت عام 2000 لإطلاق «مجتمع الديمقراطيات» كإطار خارج الأمم المتحدة، لكنه فقد زخمه ولم يتحول إلى آلية فعالة، وهو ما استنتده دانيال سيروير على أنه احتمال مشابه لمجلس السلام. ومع ذلك، يرى سيروير أن الفشل لن يعود فقط إلى ترمب، بل إن إسرائيل اختارت بقاء نصف غزة وتحرير الآخر لسلوك طريق الترحيل، وهو ما يعقد تحقيق سلام حقيقي في غزة.

وذكر لينك أن أي نجاح حقيقي للمجلس في غزة يتطلب وجود قوة أمنية غير إسرائيلية ونزع سلاح حماس، وأنه حتى في حال صمود المجلس خلال عامه الأول، من الصعب تصور مجال حقيقي للإنجاز. وتوقع أن يُنهى دور المجلس في غزة نهاية سيئة بسبب عدم استعداد ترمب ومواجهته بنيامين نتنياهو لإعادة إعمار غزة بما يخدم سكانها الفلسطينيين، تمهيدًا لمسار سريع نحو تقرير المصير.

وقال إن غالبية الدول ستواصل الاعتماد على الأمم المتحدة للقيام بدورها الحيوي في السلام والتنمية وحقوق الإنسان، وهي مجالات لا يمتلك مجلس السلام قدرة جدية على إنجازها. وفي المقابل يرى مينديكوف أنه من المبكر إصدار حكم نهائي، وإن أكبر مخاوفه تتمثل في لامبالاة إدارة ترمب تجاه معاناة الشعوب غير البيضاء، ما يجعل فاعلية المجلس انتقائية. وأكد أن السياسات الأميركية خارج الأمم المتحدة تبدو متقلبة، ما يجعل التعاون مع معايير القانون الدولي أمراً صعباً، لكنه أعرب عن تمنياته بأن يثبت المجلس نجاحه في تحسين حياة الفلسطينيين والسوريين والسودانيين واليمنيين وغيرهم.

ويتفق هوف مع مينديكوف على أن من السابق لأوانه الحكم على آفاق المجلس، وأن عليه إثبات جدواه عملياً في غزة قبل التوسع لمناطق أخرى، وأن تحويل غزة خطوة أولى ضمن تطبيق خطة ترمب العشرون قد يفتح بابًا لإعادة التفكير في نزاعات أخرى، مع التأكيد على أن الأولوية القصوى هي تحقيق تحول فعلي في غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى