قادة أوروبا يعيدون تقييم علاقاتهم مع الولايات المتحدة عقب أزمة جرينلاند

عقد قادة الاتحاد الأوروبي قمةً طارئة في بروكسل لتقييم موقف الولايات المتحدة من جزيرة جرينلاند وتداعياته على العلاقات الأوروبية الأميركية، مع تأكيدهم أن العلاقات رغم أهميتها تبقى عرضة للتأثر.
واتفقوا على عقد القمة مساء الخميس، قبل أن يتراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية أو حتى اللجوء إلى العمل العسكري لضم جرينلاند، لكن هذه التصعيدات زعزعت الثقة في الشريك الأساسي للاتحاد.
وفي وقت سابق من الخميس، قال ترامب إنه ضمن وصول الولايات المتحدة بشكل كامل ودائم إلى جرينلاند في إطار اتفاق مستقبلي مع حلف شمال الأطلسي، وهو ما عبر عنه أمينه العام بأن على أعضاء الناتو تعزيز التزامهم بالأمن القطب الشمالي لدرء تهديدات روسيا والصين.
تصويت تمهيدي وتقييم الاتفاق مع الولايات المتحدة
وقالت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا إنها تتوقع تصويتاً تمهيدياً على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة في الأيام القادمة وتأكيد استكمال المناقشات الداخلية، مع التأكيد على ضرورة بناء جسر من الثقة مع واشنطن رغم الخلافات الحالية.
وأوضحت أن أحداث الأسبوع الماضي أظهرت حاجة أوروبا إلى أن تكون أقوى وأكثر استقلالية، مع الإبقاء على موقفها الثابت بشأن سيادة دنمارك وجرينلاند وسلامة أراضيهما، وأن البرلمان الأوروبي سيواصل تقييم الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة والعمل على تعزيـز العلاقات مع الكونغرس وفقاً لمبادئ الحوار والاحترام المتبادل.
وأشارت تقارير الأربعاء إلى تأجيل لجنة التجارة في البرلمان التصويت إلى أجل غير مسمّى، ما يثير الشكوك حول الوصول إلى المرحلة النهائية من الاتفاق، الذي يقوم على فرض رسوم نسبتها 15% على معظم السلع الأوروبية مقابل إلغاء بعض الرسوم على السلع الأميركية الصناعية وبعض المنتجات الزراعية، مع ضرورة موافقة البرلمان لاستكماله نهائياً.
رؤيا القادة وموقفهم من الشراكة مع واشنطن
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الأمور هدأت وأن التوصل إلى اتفاق قد يكون وشيكاً، مع ضرورة اليقظة والاستعداد لاستخدام أدوات متاحة إذا واجه الاتحاد تهديدات جديدة، في إشارة إلى احتمال اتخاذ إجراءات مشابهة في مجال التجارة.
وأكد معظم القادة أن العلاقات مع الولايات المتحدة أساسية للاتحاد وأنهم مستعدون لبذل أقصى جهد للحفاظ عليها، مع انتظارهم من واشنطن أن تبدي هي أيضاً احتراماً وتعاوناً متبادلاً.
ومن جانبها، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن أوروبا ليست مستعدة للتخلي عن نحو ثمانين عاماً من العلاقات العابرة للأطلسي بسبب خلافات عابرة، وأنها مستعدة لاستثمار الوقت والجهد في هذه العلاقة، مع الدعوة إلى ألا تتحول الخلافات إلى تهديد لاستقرار التعاون الأمني والاقتصادي.
وقبل الاجتماع، قالت كالاس إن القادة الأوروبيين قد ينضمون إلى “مجلس السلام” الذي طرحه ترامب إذا اقتصرت مبادرته على قطاع غزة، مع التأكيد على أن العمل يجب أن يتركز على عمل مجلس الأمن الدولي كما كان متوقعاً، وأن يقتصر المجلس على غزة إذا كان ذلك مقصوداً في الأصل.
لا مزيد من التهديدات وتحديد دور أوروبا
أبدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن استعدادها لمناقشة التعاون الأمني في جرينلاند مع الولايات المتحدة شريطة احترام السيادة، مع التأكيد على ضرورة العمل المشترك دون توترات أو تهديدات متبادلة.
ولا تزال حكومات الاتحاد قلقة من تقلبات ترامب وتأثيرها المحتمل في العلاقات طويلة الأمد، وهو ما يحث الأوروبيين على وضع خطة طويلة الأمد لاستقلالية نسبية عن الولايات المتحدة مع المحافظة على شراكتها الاستراتيجية، وهو أمر يعبر عنه دبلوماسيون بأن أوروبا بحاجة إلى التوازن بين الاحتفاظ بالشركاء وبناء قدراتها ذاتياً في مجالات الاستخبارات والنقل والدفاع الصاروخي والإنتاج العسكري.
ويوضح دبلوماسيون أن النفوذ الأميركي يظل كبيراً بعد عقود من الاعتماد على واشنطن في الناتو، ما يجعل الاتحاد الأوروبي مرغماً على الحفاظ على روابط قوية مع الولايات المتحدة مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز استقلاليته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وهو مسار يستغرق وقتاً طويلاً.
مواقف دولية وآراء متباينة داخل الاتحاد
وقد أكد رئيس الدولة الليتواني جيتاناس نوسيدا أن الولايات المتحدة لا تزال أقرب أصدقائنا، في مقابل تبني زعماء آخرين موقفاً أكثر حذراً من طبيعة هذه العلاقة والكيفية الأنسب لإدارتها في ظل تقلبات السياسة الأميركية.
أما رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك فشدد على ضرورة فهم الشركاء في واشنطن الفرق بين الهيمنة والقيادة، فبينما القيادة مقبولة، فإن الإكراه ليس أسلوباً جيداً، وهو ما يعكس التفاوت في القراءات الأوروبية لطبيعة العلاقات مع واشنطن في هذه المرحلة.
وأفادت مصادر بأن البرلمان الأوروبي كان منفتحاً على فرض حزمة رسوم مضادة على واردات أميركية بقيمة نحو 93 مليار يورو واتخاذ إجراءات مناهضة للإكراه في حال مضى ترامب في فرض الرسوم المقررة في الأول من فبراير، وهو ما يعكس رغبة البرلمان في حماية الأسواق الأوروبية من التداعيات الاقتصادية للقرار الأميركي.
وصرح عضو البرلمان الأوروبي بيرند لانج بأن البرلمان بحاجة إلى توضيح صريح من واشنطن بشأن خطة جرينلاند قبل استئناف مناقشة اتفاق التجارة، مؤكدًا أن الحل المقترح لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين طرفين ويستلزم موافقة صريحة من الدنمارك وجرينلاند.




