Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار سياسية

جرينلاند: من هامش متجمّد إلى دائرة صراع النفوذ بين القوى العالمية

جرينلاند: من هامش على الخريطة إلى قلب التنافس القطبي

تحولت جرينلاند من مجرد بقعة بيضاء على حافة الخريطة في الوعي الأوروبي إلى ساحة صراع نفوذ تتسع فيها المطالب الأميركية بالضم وتتصاعد المخاوف الأوروبية من فقدان الجزيرة، بينما تتحرك الصين وروسيا في إطار السباق نحو الموارد والشرايين الاستراتيجية في القطب الشمالي.

على مدى عقود، ظلت الجزيرة بموقعها في شمال غربها رمزاً لعلاقة حجر الأساس بين أوروبا وأميركا، مع وجود عسكري أميركي بارز في قاعدة ثول المعروفة حالياً ببيتوفيك الفضائية، وهي منشأة حيوية للإنذار المبكر ومراقبة الفضاء ضمن بنية حلف الناتو وأدوار الحماية الأطلسية أكثر منها مركز القرار الاستراتيجي.

اليوم تقف جرينلاند في قلب معادلة جيوسياسية جديدة؛ يشتد فيها التنافس على طرق المرور والاستثمار في القطب الشمالي مع ارتفاع حرارة المنطقة بوتيرة تفوق المعدل العالمي، ما يجعل الجزيرة محوراً للصراع بين القوى الكبرى والجهود الإقليمية للحماية والانتفاع.

مخزون المعادن النادرة وتداعياته الاستراتيجية

تحت الجليد الذائب تختفي طبقات من المعادن النادرة التي باتت تسمّى بـ”نفط العصر الرقمي”، إذ يقدر احتياطي أكاسيد المعادن النادرة بنحو 1.5 مليون طن متري، وتتضمن عناصر مثل النيوديميوم والبراسيوديوم والتيربيوم والديسبروسيوم واليتريوم، إلى جانب خامات تقترن عادةً بليورانيوم وزنك. في الجنوب يوجد مشروع كفانيفيلد، وهو من الأبرز عالمياً من حيث الموارد المتعددة، حيث يحتوي على معادن نادرة إلى جانب اليورانيوم والزنك، ويملك إمكانات أن يصبح مورداً عالمياً لهذه المعادن النادرة.

مع عودة الحديث عن شراء جرينلاند إلى الساحة الدولية، ظهر فهم أعمق أن الجزيرة ليست مجرد مسألة ثروة طبيعية بل انعكاس لعلاقة أوروبا بنفسها مع شريكها الأميركي، وتحدٍ في مسألة السيادة والاستقلال الاستراتيجي في مواجهة قوى كبرى تتطلع لضمان موطئ قدم في منطقة قيد التغير.

الجرينلاند في الوعي الأوروبي وتكلفة الاعتماد

يؤكد دبلوماسيون سابقون أن الموقف الأوروبي حتى الآن يختصر غالباً في تصريحات أوضاحات، وأن هناك حاجة لإجراءات دفاعية واقعية تضمن حماية جرينلاند، في سياق نقاش الناتو حول الجبهة القطبية واتساع مسؤوليات أوروبا في أمن الحدود الشمالية.

ويُشير مراقبون إلى أن طريقة التناول الأميركي للمسألة تعكس طابعاً هجوميّاً في بعض خطاباته وتطرح أسئلة عن مدى الاعتماد الأوروبي المستدام على مظلة الأمن الأميركية في زمن إعادة توزيع القوى العالمية.

تجربة Balkans وعبء الذاكرة الأوروبية في مواجهة داعش النطاق القطبي

تستدعي أوروبا في مقاربتها لجرينلاند دروساً من الماضي حول أثر الاعتماد المتبادل في الأمن، فتصاعد التوتر في مناطق مثل البلقان عاملاً يذكّر بروح الشراكة الأوروبية وتحديات بناء سياسة خارجية وأمنية مشتركة ذات فاعلية تنفيذية أقوى، وهو ما يظهر عند الحديث عن مدى استعداد القارة للدفاع عن مصالحها بعيداً عن الاعتماد الكلي على واشنطن.

قوة الردع الأوروبية والتوازن العسكري في القطب الشمالي

تشير تقارير مؤسسة SIPRI إلى أن الولايات المتحدة تحملت نحو ثلثي الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو في 2024، مع الاعتماد على قدرات أميركية حاسمة مثل الاستخبارات والدفاع الصاروخي. وفي لاهاي عام 2025 اتفق القادة على هدف رفع مساهمة الشركاء إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، ما يعني ضغوطاً متزايدة على ميزانيات الدفاع الأوروبية وتpoke بذل جهود لبناء قدراتها بشكل مستقل قدر الإمكان.

اقتصاد أوروبي مضطرب ودفاع متصاعد

في الخلفية اقتصاد أوروبي يواجه نمواً ضعيفاً وارتفاعاً في الدين العام بعد تكاليف دعم الطاقة وجائحة كوفيد، ما يجعل الإنفاق الدفاعي يتزايد مع تراجع القوة الشرائية للمواطنين. بيانات الدفاع الأوروبية تشير إلى ارتفاع الإنفاق إلى نحو 343 مليار يورو في 2024 ثم نحو 381 ملياراً في 2025، مع مسار يهدف إلى زيادة المدفوعات الدفاعية تدريجياً بنحو مضاعفة الإنفاق بحلول 2030 تقريباً.

وبهذه الصورة، لا تعتبر جرينلاند مجرد جزيرة بعيدة، بل جزءاً من نقاش أوسع حول توزيع الموارد بين الأمن الاجتماعي والأمن العسكري، وتساؤل حول معنى الاستقلال الاستراتيجي في قارة تعتمد على واردات الطاقة والمعادن وعلى مظلة أميركية لحماية أمنها.

الاستراتيجية الأميركية في القطب الشمالي ومسألة الأمن القطبي

من منظور الولايات المتحدة، لا تُرى جرينلاند كجزيرة منعزلة بل كعنصر مركزي في قوس يمتد من ألاسكا إلى شمال النرويج، مروراً بآيسلندا وجرينلاند نفسها؛ قوس تعتبره وثائق البنتاغون خط الدفاع الأول ضد أي تهديد صاروخي أو بحري في الشمال. قاعدة بيتوفيك الفضائية في جرينلاند تظل أحد أبرز منشآت الدفاع الأميركي في القطب الشمالي، وتضم رادارات للإنذار المبكر ومرافق مراقبة فضائية وتبقى جزءاً من بنية القوة الأميركية في المنطقة، مع استعداد لتوسيع قدراتها عند الحاجة.

وهكذا تتحول المعادن النادرة وموارد الجزيرة إلى اعتبار استراتيجي أميركي يحرص على عدم ترك الجزيرة لمناخات تخصّ الخصوم اقتصادياً أو عسكرياً. ويربط كثيرون هذا الاهتمام بمقاربة استثمارية وجغرافية تأخذ في الاعتبار الموقع الحاسم للقطب الشمالي كمسار ملاحي وكمصدر للمواد الحيوية للتقنيات الحديثة.

الصين وروسيا: حضور محدود وخطاب فضفاض في جرينلاند

يُلاحظ أن وجود روسيا في جرينلاند ليس على الأرض بشكل واسع، بل يتركز في وجود تقليدي قوي في المناطق القطبية وملاءة بحرية لاحقة، بينما يؤكد العديد من المحللين أن روسيا لا تعتبر الجرينة هدفاً عملياً للتهديد المباشر كما تصوره بعض التفسيرات الغربية. أما الصين فحضورها في التعدين محدود نسبياً رغم وجود رخص لشركات مرتبطة بها، مثل General Nice و Shenghe Resources، لكنها تبقى نشاطات اقتصادية محدودة مقارنة بما يجيء في الخطابات السياسية.

وفي المقابل، تقدم تصريحات الصين عن طريق مبادراتها الاستراتيجية مثل طريق الحرير القطبي إطاراً بعيد المدى لاستثمار في القطب الشمالي، لكنها تبقى نشاطاً اقتصادياً نسبياً محدوداً في جرينلاند حتى الآن مقارنة بالتصورات الإعلامية.

خطر التدخل العسكري وضرورة التوازن الأوروبي

يحذر بعض المحللين من أن أي خطوة عسكرية أميركية أحادية في جرينلاند قد تفتح باباً لسلسلة تحركات من قوى أخرى وتعيد تشكيل التوازن في القارة، وهو ما يستدعي توازناً سياسياً أوسع بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع حماية مصالح الدول الأعضاء وشراكاتهم داخل الناتو وخارجها.

أما الأوروبيون فيرون أن وجود القواعد الأميركية في جرينلاند ليس مجرد مسألة أمنية ثنائية بل تحدٍ يمس سيادة الدول الأوروبية ومكانة الدانمارك كعضو في الحلف، ويطرح أسئلة عن مدى سيادة أوروبا وكيفية تظهير استقلالها العسكري ضمن إطار الشراكة الأطلسية.

جرينلاند ومستقبل السيادة الأوروبية في القطب

تشير القوانين والآليات إلى أن جرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، وتربطها بروكسل علاقات اقتصادية وتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات مثل الصيد والتنمية والتجارة. هذه الروابط تجعل أي تحرك أميركي أحادي تجاه الجزيرة جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول السيادة والتوزيع العادل للموارد وطبيعة التضامن مع الدنمارك والشركاء الأوروبيين في مواجهة التحديات القطبية.

تسهم هذه المعطيات في طرح سؤال مركزي: هل تستطيع أوروبا أن تكون فاعلاً جيوسياسياً موحداً في أقصى حدود القارة، أم ستظل متلقياً لقرارات خارجية؟ بين دعوات ترمب للضم وتوقعات الأوروبيين بالعمل المشترك، تبرز خيارات متعددة أمام القارة، سواء بالاعتماد على الشراكة مع واشنطن ضمن مظلة الدفاع أو بالسعي إلى بناء قدرات مستقلة تدرجها في إطار استراتيجية قطبية متكاملة، بما يحفظ مصالحها ويقلل الاعتماد الأعمى على قوى خارجية في زمن التغير السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى