دبلوماسيون وخبراء عسكريون يرفضون حجج ترامب لضم جرينلاند

ردود أفعال مسؤولي الأمن والدبلوماسية الأميركيين السابقين على تصريحات ترمب حول جرينلاند
أوضح مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون أميركيون سابقون أن تأكيد الرئيس دونالد ترمب ضرورة امتلاك الولايات المتحدة جرينلاند لتوسيع دفاعاتها يتعارض مع سياسات متبعة منذ عقود، ويقوّض قوة الردع التي توفرها شبكة القواعد الأميركية وتحالفاتها العالمية، وفق تقارير صحفية.
وقال ترمب، خلال تصريحات علنية، إن الولايات المتحدة تملك حاجة إلى السيطرة الكاملة على جرينلاند لضمان أمن القطب الشمالي والأمن القومي، مع أن قوله هذا تزامن مع إشارة إلى أن وجود العقود الإيجارية ليس كافياً وأن الدفاع عن الجزيرة سيكون ضرورياً، وإن فشل ذلك قد يفتح المجال أمام الصين أو روسيا للدفاع عنها بدلاً من واشنطن.
ورغم هذه التصريحات، يقول مسؤولو الأمن والدبلوماسية إن الولايات المتحدة بنت أقوى شبكة قواعد خارجية في العالم من دون امتلاك أراضٍ أجنبية، وأن وجود القوات الأميركية خارج البلاد يعتمد في الأساس على اتفاقات وتفاهمات ثنائية مع الدول المضيفة دون نقل ملكية الأرض.
وتدير وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أو تستخدم أكثر من 128 قاعدة خارجية في 51 دولة، وفق تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس في 2024. كما أشارت تحليلات مستقلة إلى أن العدد الإجمالي لمنشآت الولايات المتحدة خارج حدودها قد يتجاوز 750 منشأة في نحو 80 دولة وإقليم، تعود غالباً إلى فترات الحرب العالمية الثانية والبردة.
في الغالب، تمنح الدول المضيفة الأراضي بموجب اتفاقات ثنائية، وتسمح عادةً للولايات المتحدة ببناء وتشغيل المنشآت من دون نقل الملكية، وفقاً لوثائق دبلوماسية تفصيلية.
القواعد الخارجية الأميركية
قال الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق للناتو، إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى امتلاك الأرض لتنفيذ عملياتها، معتبرًا أن القواعد الخارجية تشكل العمود الفقري للدفاع العالمي الأميركي، وهو إطار يساعد في تحقيق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وفق تقارير الكونغرس.
وتوجد أكبر المنشآت العسكرية الأميركية في الخارج في اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، وتساهم الدول المحلّة في تغطية تكاليف التشغيل وتوفير الأراضي اللازمة للوجود الأميركي، حيث يوجد أكثر من 53 ألف جندي فعلي في اليابان وأكثر من 36 ألفاً في ألمانيا، في حين يمثل مركز لاندشتول الطبي الإقليمي أكبر منشأة طبية خارج الولايات المتحدة ويخدم قوات من مناطق واسعة من نصف الكرة الغربي، وتقع قاعدة رامشتاين الجوية المجاورة وتضم أكثر من 12 ألفاً من العسكريين والمدنيين.
وخلال نحو عقد ونصف العقد الأخير، ابتعد البنتاغون عن إدارة منشآت خارجية كبيرة خاصة به، واتجه لاستخدام مواقع مملوكة من قبل الحلفاء والشركاء، وهو نهج أُطلق عليه “أماكن لا قواعد”، وفق تقرير الكونغرس. وتبقى قاعدة جوانتانامو البحرية في كوبا استثناءً، إذ ترى الدولة المضيفة وجودها الأميركي “غير شرعي” وتُدار بموجب اتفاقات دبلوماسية مفتوحة الأجل أُبرت قبل عقود من الثورة الشيوعية، لكنها حتى الآن ليست ملكاً أميركياً على الأرض.
بوابة القطب الشمالي
تقع جرينلاند شمال شرقي كندا وتشكل بوابة حيوية إلى المحيط المتجمد الشمالي، كما تقع ضمن مسارات طيران محتملة لصواريخ عابرة للقارات قد تُطلق من أجزاء من روسيا أو الصين. وأكد قادة دنماركيون أن جرينلاند ليست مطروحة للبيع وأن قرارات مستقبل الجزيرة تعود في الأساس إلى سكانها البالغ عددهم 57 ألف نسمة. ومنذ أربعينيات القرن الماضي اعتبرت الولايات المتحدة جرينلاند حيوية لأمنها القومي، لكنها اليوم لا تشغل سوى قاعدة واحدة هناك تابعة لقوة الفضاء الأميركية تركز على رصد التهديدات المحتملة.
وأعلنت الدنمارك، العضو المؤسس في الناتو، أنها منفتحة على مناقشة توسيع الوجود الأميركي في جرينلاند، كما أبدت كوبنهاجن تعاونها مع ترمب العام الماضي وقررت تعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي بشكل كبير.
وقال ستافريديس: “كانت جرينلاند والدنمارك دائماً مضيفتين مهذبتين ومتعاونتين على مدى عقود طويلة”.
كما قال ريتشارد فونتين، الذي شغل منصب مستشاراً لشؤون السياسة الخارجية لدى السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، إن حجة ترمب بأن “لا أحد يدافع عن عقود الإيجار” تشبه “نظرية لا أحد يغسل سيارة مستأجرة في العلاقات الدولية”، فالدولة لا تدافع عن أرضها فحسب بل عن تحالفاتها أيضاً. وأشار إلى أن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن كثير من حلفائها من دون امتلاك أراضيهم، وأن الدفاع عن إسرائيل مثال بارز على ذلك، حيث يواصل الحلفاء التزامهم بواجبات الدفاع المتبادل.
وأوضح الجنرال أليكسوس جرينكيويتش، القائد الأعلى لقوات الناتو في السويد، أن الحلف يوسّع أنشطته في القطب الشمالي وأن التعاون العسكري في هذه المنطقة أقوى من أي وقت مضى، مع رفضه التعليق على الجوانب السياسية للتصريحات الأخيرة.
وبحسب إيفو دالدر، سفير الولايات المتحدة السابق لدى حلف الناتو، فإن رغبة ترمب في الاستحواذ على جرينلاند تمثل تهديداً جدياً للتحالف الرباعي والثلاثين دولة، وأضاف أن مجرد الإيحاء بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون آمنة ما لم تمتلك جرينلاند يطرح أسئلة حول استعدادها للدفاع عن دول لا تمتلكها. وصاغه14 دبلوماسياً ومسؤولاً سابقاً في الأمن القومي من حزبيْن رسالة تشيد بالدنمارك كحليف راسخ وتنتقد موقف ترمب من جرينلاند.
وجاء في الرسالة أن “بدلاً من تعزيز أمن الولايات المتحدة، فإن التفكير في الاستحواذ على جرينلاند لا يؤدي إلا إلى إضعاف تماسك التحالف، وتقويض مصداقية الولايات المتحدة بوصفها حليفاً موثوقاً، وإضعاف الردع”.




