ما قصة حراس الأمن الكوبيين في فنزويلا، ولماذا استعان بهم مادورو؟

اعلنت الحكومة الكوبية هذا الأسبوع مصرع عناصر من قواتها المسلحة وأجهزة الاستخبارات خلال العملية الأميركية التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أثار أسئلة حول حضورها في دائرة أمن قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس.
صدمة 2002 ونقطة التحول
في أبريل 2002 تعرّض الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز لمحاولة انقلاب أطاحت به لفترة وجيزة ثم أُعيد إلى الرئاسة خلال أيام بفعل احتجاجات مؤيدين وتحول بعض القوات لصالحه. وبعد تلك التجربة، وُلدت عقيدة أمنية جديدة ترى أن المؤسسة العسكرية والاستخبارات المحلية قد تقلب، فبناء الحصانة على الزعيم صار ضرورة، ثم دخلت كوبا كحليف كثيف الوجود في قلب المنظومة الأمنية الفنزويلية نتيجة العلاقات الوثيقة في المعسكر الاشتراكي.
وفي تحقيق استقصائي عام 2019، أشارت تقارير إلى أن تشافيز وبمباركة من فيدل كاسترو أدخل مستشارين كوبيين إلى دائرته الداخلية لـ«تشديد الأمن»، وجرى معها حملة تطهير داخل جهاز الاستخبارات وبعض قطاعات الجيش العليا. ثم أبرمت فنزويلا وكوبا اتفاقيتين منحتا لكوبا وصولاً عميقاً إلى الجيش الفنزويلي وإتاحة جاسوسية واسعة لإعادة هيكلة الجهاز، وهو الأمر الذي سهّل هيكلة جهاز استخبارات عسكري يراقب القوات المسلحة نفسها ويزرع الخوف والارتياب ويقمع المعارضة.
وامتدت الحملة إلى التنصت على هواتف الضباط، بما في ذلك كبار القادة، ما أسفر عن اعتقال المئات. وقالت الجمعية الوطنية بقيادة المعارضة إن ما لا يقل عن 200 مسؤول عسكري لا يزالون رهن الاحتجاز، وتقدر منظمة «مراقبة المواطنين» العدد بأكثر من 300.
وفي وثيقة تعود إلى يونيو 2017 اطلعت عليها تقارير، وُجهت تهمة «التخريب الأيديولوجي والسياسي» إلى أحد الجنود بسبب التحاقه بجامعة موالية للمعارضة، كما روى ملازم سابق أنه قُيّد بالأصفاد إلى كرسي في غرفة مضاءة باستمرار وتعرض للضرب حتى كُسرت فقرتان من عموده الفقري.
ومنذ إعادة تشكيل الجهاز، تضخّم عدده من بضع مئات في بدايات عهد تشافيز إلى نحو 1500 عميل بحلول 2019، وفقاً لمسؤولين عسكريين سابقين. واتهم تقرير حديث للأمم المتحدة الجهاز بممارسة التعذيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والخنق والإيهام بالغرق والعنف الجنسي والحرمان من الماء والغذاء.
وفي عهد مادورو صعد ضباط الجهاز إلى مناصب عليا، بما فيها قيادة فريق حمايته الشخصية، وهو ما تقول المعارضة إنه أسهم في إخضاع القوات المسلحة، رغم أن دعواتها للتمرد العسكري لم تجد استجابة تُذكر. ونقلت تقارير عن مسؤول معارض رفيع قوله: «لقد فشلنا في إقناعهم».
واعتُبرت هذه الخطوة إعادة هندسة لمنطق الثقة والولاء داخل أجهزة الدولة الفنزويلية.
أقل عرضة للاختراق
إذ كان وجود كوبيين داخل المنظومة الأمنية يُقرأ بوصفه وسيلة لـ«تحصين النظام» عبر إضافة طبقات حماية تقيه التقلبات العائلية والمالية والعسكرية، فإن فهم سبب اختيار كوبا يعود إلى الصفقة الأوسع التي بناها تشافيز مع هافانا. فقد قامت هذه الشراكة الاقتصادية-الأيديولوجية على تبادل واضح: نفط فنزويلي يمد كوبا بطاقة تفضيلية مقابل خدمات بشرية كوبيه واسعة داخل فنزويلا من أطباء ومدرسين وخبراء، ضمن خطاب يرفع شعار التضامن الثوري ومناهضة النفوذ الأميركي.
وأشارت تقارير إلى تدفق كوادر كوبيّة إلى فنزويلا في إطار برامج اجتماعية مختلفة، بينما أصبحت كوبا تعتمد بشكل متزايد على الإمدادات النفطية الفنزويلية لتشغيل قطاعات حيوية في اقتصادها. ومع مرور الوقت، تحول النفط إلى شريان لا يمكن فصله عن استقرار هافانا، وتوضح تقارير نُشرت حديثاً أن الإمداد النفطي الفعلي كان أساسياً للحفاظ على شبكة الكهرباء في كوبا، حتى مع تراجع الكميات في السنوات الأخيرة، ليصبح دعم كوبا لنظام كراكاس جزءاً من «صفقة» مستمرة.
وفي تقارير صادرة عن مراكز بحثية مثل مركز ويلسون، وُصفت العلاقة بين البلدين بأنها مترابطة بشكل اعتمادي، حيث تساعد عناصر كوبيّة مادورو على البقاء في الحكم، بينما يواصل النفط الفنزويلي دعم اقتصاد كوبا. وحتى مع استمرار العقوبات الأميركية، تعهد مسؤولون فنزويليون بمواصلة الوفاء بالالتزامات النفطية تجاه الحليف الأيديولوجي، في إطار عقد غير مكتوب يربط المصالح العامة لكلا البلدين.
كيف ظهر الحرس الكوبي حول مادورو؟
بحسب صحيفة إل باييس، انتهج مادورو خلال رئاسته سياسة حماية من خلال إنشاء «حلقة أمن» تضم حرساً شرفياً رئاسياً يضم العشرات من الحراس من كوبا ومناطق الجهاز الأمني الفنزويلي. وشهدت هذه الحلقة تغييرات في قيادتها بعد انتخابات 2014، فعيّن الجنرال خافيير خوسيه ماركانو تاباتا رئيساً للحرس خلفاً لإيفان هيرنانديز دالا الذي كان مسؤولاً عن أمن مادورو طيلة نحو عقد من الزمن. وفي خطاب له عام 2017 قال مادورو: «نحن ممتنون للقوات المسلحة الثورية الكوبية، ونحيّيهم وسنرحب بهم دائماً».
ولا تُعتبر هذه الظاهرة جديدة في نقاش الأمن الفنزويلي، فقد أشار تقرير سابق إلى أن وجود جنود كوبيين في مستويات صنع القرار العسكري العليا قد يُعد تهديداً أمنياً، وهو ما يعكس صراعاً مستمراً حول السيادة والثقة داخل الدولة.




