أوكرانيا 2026: أمل هش في «سلام قاس» ومخاوف بشأن صمود الجبهة

تشهد أوكرانيا عامها الخامس وهي تواجه شبكة معقدة من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، فبينما يعلو أمل بعض الأطراف في أن يكون عام 2026 بداية نهاية القتال، يحذر أكرانيون سياسيون وخبراء من أن ديناميكيات ساحة المعركة وقدرة خطوط الجبهة على الصمود والدعم الخارجي سيحدّد سقف كييف في أي تسوية وتداعياتها داخلياً على بلد يعاني من نقاط ضعف.
المشهد السياسي والدبلوماسي في 2026
طغت جهود الرئيس الأميركي السابق ترامب كجهة وسيطة في مسألة السلام على المشهد الجيوسياسي لأوكرانيا، إذ استمر تركيزه على ضمانات أمنية وخطة سلام تقترح 20 نقطة، في حين تُثار تكهّنات بأن الحرب قد تستمر عام 2026 رغم أن خطاب زيلينسكي في رأس السنة الجديدة صيغ في إطار آفاق السلام ورؤية كييف لما ينبغي أن يتضمنه هذا السلام. ويصف زيلينسكي اجتماع 29 ديسمبر مع ترامب بأنه تحقق تقدماً جوهرياً نحو إطار مشترك، رغم أنه لم يصل إلى اختراق عملي حتى الآن.
وينفي البعض وجود مؤشرات تذرّع المفاوضات بنهاية الحرب، إذ ترفض روسيا مقترحات وقف إطلاق النار، بما فيها هدنة عيد الميلاد، وتؤكد أن مطالبها الأساسية لم تتبدّل منذ أوائل عام 2022، ومنها أن تكون أوكرانيا محايدة وغير منتمية كتلة عسكرية وغير نووية وتقبّل سيادة روسيا على المناطق الخاضعة لها، وهي شروط لا تتوافق مع مواقف كييف وشركائها الغربيين.
من جهة أخرى، يقول رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني إن بوتين لا يريد التوقف لأنه يخشاها من فقدان السلطة إذا أوقف الحرب دون تحقيق أهدافه. ويرى أن المفاوضات قد تكون مفيدة لبوتين في الإفلات من العزلة وتخفيف الضغوط والعقوبات، لكنه يشكك في جدوى أي اتفاق ما دام هناك سعي روسي لإدامة الحرب من أجل فرض شروطه.
تحديات على الأرض وخيارات كييف
يواجه كييف، مع تراجع الثقة في دعم الولايات المتحدة كداعمة أساسية وتواصل روسيا دفع خطوط الجبهة وتوجيه ضربات إلى البنية التحتية، خيارات محدودة، ومن بينها القبول بنهج أقرب إلى ما يريده ترامب من تفاهمات، وفق آراء بعض الخبراء. ويرى هؤلاء أن الهدف الأساسي لأوكرانيا هو ضمان عدم استفزاز بوتين بشكل قد يعرّض الدولة للخطر، وأنه لا يوجد حل وسط حقيقي يرضي الطرفين بصورة كاملة.
وتبقى قضية المناطق التي تطالب روسيا بالبقاء فيها حجر الخلاف الأبرز، إذ تقترح مسودة الخطة تجميد خطوط الجبهة عند مواقع القوات لحظة التوقيع في دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون، مقابل انسحاب من مناطق معينة مثل دنيبروبتروفسك وميكولايف وسومي وخاركيف، في حين تطالب موسكو بانسحاب أوكرانيا من دونيتسك، وتطرح واشنطن حلاً وسطاً يمكن أن يشمل منطقة اقتصادية حرة. وترد كييف بأن التفاوض على مسألة الاستفتاء بعد وقف إطلاق النار قد يفتح باباً لزعزعة الاستقرار الداخلي والتلاعب الروسي، وهو ما يحذر منه خبراء من مؤسسات بحثية وقواعد أمنية في كييف ولندن.
وتخشى كييف من “تنازلات لا رجعة فيها” في السيادة والدفاع والقضايا الدستورية من دون آلية استراتيجية لوقف إطلاق النار، مع غياب ضمانات واضحة، وتتعزز هذه المخاوف من تفاوت الدعم الأميركي الأوروبي وتذبذبه، بحيث يتحمل الطرف الأوكراني فواتر التزامات أمنية قد تكون غير مضمونة المقابل.
يرى بعض المحللين أن الهدف الأميركي قد لا يقتصر على السلام في أوكرانيا، بل على تطبيع العلاقات مع موسكو، وهو ما يجعل مسارات السلام المطروحة أقرب إلى التمهيد لصفقة مع روسيا في ظل غموض وضبابية حول آليات تطبيقها وبنودها العملية. ويشكك آخرون في جدوى الوثائق المطروحة ويعتبرون أن أي إطار سلام لا يضمن حماية كييف من الارتداد العسكري الروسي أو التهديدات الاستراتيجية يظل قِصَة بلا نهاية حقيقية.
التحديات العسكرية والتعبئة والقدرات الدفاعية
يتحدث المسؤولون والخبراء عن أن العام 2026 سيشهد اختباراً حاسماً للجبهة العسكرية والهيكلية للجيش الأوكراني مع استمرار الحرب وتوسع روسيا في التجنيد، إذ يعاني الجيش من ثغرات في القيادة والسيطرة وتفاوت بين هياكل القيادة المستمدة من الغرب وتقاليد الأسلوب السوفييتي. وقد بلغ عدد حالات الفرار من الخدمة نحو 160 ألفاً حتى أكتوبر 2025، وهو ما يضعف الروح المعنوية ويترك الوحدات محدودة القدرة على تنفيذ هجمات مضادة، مع استمرار الحملات الروسية في الضغط على خطوط الدفاع وتدمير البنية التحتية الحيوية.
يعزز الخبراء أن الحل يتطلب إجراءات حازمة تشمل تشديد تطبيق القوانين ضد التهرب من التجنيد ودعماً إعلامياً مستداماً للتعبئة، وتحديد جداول زمنية للتسريح وتبديل الوحدات وتوفير دعم مالي مستقر، إلى جانب إجراء تغييرات تنظيمية تواكب متطلبات الحرب الحديثة. كما ترى تحليلات عسكرية أن روسيا لديها ميزة في إمدادها من ضمن مقاتليها وأعداد الجنود الذين تسعى لتجنيدهم من دول بعيدة، ما يجعل وتيرة التعبئة في أوكرانيا أقوى وأكثر صرامة مما تتوقعه كييف.
وفي المقابل، تشدد كييف على ضرورة تعزيز الدفاع الجوي لمواجهة تصعيد الضربات الروسية، خصوصاً مع استخدام الطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية المتوائمة مع أساليب الحرب الحديثة. وتُشير تقارير عسكرية إلى أن الهجمات الروسية على قطاع الطاقة في 2025 بلغت أكثر من 4500 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى انقطاعات واسعة وخدمات أساسية متعثرة في فترات الشتاء والبرد القارس.
ويسعى الزخم الغربي إلى دعم كييف عبر تعزيز قدراتها الدفاعية، حيث تُطرح صواريخ NASAMS وPAC-3 ضمن احتياجات كييف للدفاع الجوي، وقد وافق الأميركيون جزئياً على المساعدة، بينما تبقى آلية التمويل العسكري عبر حلف شمال الأطلسي والمؤسسات الأوروبية هي المسار القائم لتأمين الأسلحة والعتاد. وتظل هذه التدابير بحاجة إلى متابعة عبر إطار دعم مثل قائمة الاحتياجات الروسية الأوكرانية المسماة PURL عبر الحلف، وتعاون من الدول الأوروبية المستعدة لضخ مزيد من الموارد العسكرية والمالية في كييف.
الأزمة المالية والدعم الدولي وتأثيرها على المسار المستقبلي
واجهت أوكرانيا عام 2025 ضغوط مالية كبيرة مع انخفاض كبير في المساعدات الأميركية، إذ واضح أن التمويل العسكري يصل إلى حدود منخفضة جداً في ميزانية الدفاع الأميركي، في حين يسعى الحلفاء الأوروبيون إلى سدّ النقص بآليات تمويل مشتركة وتوزيع الأعباء. ويُقدّر أن كييف ستحتاج خلال 2026 إلى نحو 120 مليار دولار للدفاع، بينما لا تستطيع تغطيتها كاملة من مواردها، وهو ما يجعل دعم الاتحاد الأوروبي ودول الشركاء أمراً حاسماً، رغم أن التبرعات الأوروبية تشمل نحو 90 مليار يورو مقسمة على العامين القادمين، وتُسد من تعويضات روسية محتملة، بشرط تنفيذ إصلاحات مكافحة فساد وتغييرات بنيوية ملزمة قد تضع شروط على المضي قدماً في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وتشير تقديرات إلى أن الدعم الأوروبي، وإن كان واسعاً، ليس بعيداً عن كونه مشروطاً بامتثال كييف لشروط الحكم الرشيد والإصلاحات، وهو ما يثير مخاوف من أن يبقى الاعتماد على أموال الخارج مسألة مؤقتة لها ثمن سياسي واقتصادي. وتُطرح مسألة مصادرة الأصول الروسية المجمدة كوسيلة لتغطية العجز المالي لآلية قد تدعم قدرة أوكرانيا على الاستمرار في الدفاع عن أراضيها لمدة قد تصل إلى عدة سنوات، في حين يشير بعض المراقبين إلى أن الاعتماد على الأصول المجمدة سيواجه عائقاً سياسياً وقانونياً في بعض الدول الأوروبية، ما يجعل النطاق الزمني والديمومة لهذه الموارد غير مؤكدين.
يتوقع بعض المحللين أن الحرب قد تظل مطروحة كمسألة طويلة الأمد، مع احتمال اعتماد الغرب على أدوات الضغط الاقتصادية إلى جانب الضغوط العسكرية الروسية، ما يجعل التوتر بين الدعم الأميركي والقرار الأوروبي أمراً حاسماً في استمرارية الدعم وأثره على مسار السلام. كما يشددون على أهمية حثّ الولايات المتحدة ودول الغرب على استمرار الضغط على روسيا وحلفائها، بما في ذلك الصين والهند، لإبقاء روسيا مشدودة إلى التكاليف وتجنب تحفيزها على مغادرة مسار الحرب بسرعة.
آفاق جديدة في الدبلوماسية والتكامل العسكري
تدعو بعض الأطراف إلى توسيع الدبلوماسية خارج أوروبا لتشمل دولاً لم تتحول بعد إلى أعداء صراحةً كييف، كالصين ودول الخليج، كشبكات محتملة يمكن أن تتفاعل مع أوكرانيا على أساس اقتصادي وتجنب التدخل في السياسات الداخلية، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومحدودة التوقعات. وتؤكد بعض الباحثات أن الصين تحافظ على علاقات مع الشركاء الأوروبيين وتبقي قنوات تواصل، وأن أوكرانيا يمكن أن توسع حضورها في هذه القنوات لكن بلا أوهام أو توقعات عالية مبالغ فيها.
ويؤكد خبراء آخرون أن الدول العربية ينبغي أن تقف إلى جانب أوكرانيا، محذرين من أن إفلات روسيا من العقاب سيترك أثراً سلبياً على الأمن في المنطقة ويمهد لعدوان محتمل في مستقبل قريب. وفي ظل هذه المعادلة تبقى الأولوية الأساسية لأوكرانيا في عام 2026 هي البقاء على مستوى الجبهة والدعم السياسي داخل كييف، مع توقعات بأن تستمر الضغوط الخارجية وتغيرات الدعم حسب المصالح الدولية وتطورات ساحة القتال.
يظل الحكم على مسار السلام في 2026 رهينة بقدرة الجبهة على الصمود، وبالقدر الذي يحافظ فيه الغرب على دوره كفاعل حاسم، مع استمرار الحرب في مطلع العام الخامس من الغزو الروسي. ويضيف المحللون أن على الأوكرانيين أن يأخذوا بعين الاعتبار أوهام بعض الوسطاء والتعامل بحذر مع أي وعود قد لا يكتمل تنفيذها، مع الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه في وجه التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد في الحرب المستمرة.




