على الشرفاء ..الواقع العربي .. التشخيص والعلاج..1/5

  • بتاريخ :
د. أيمن سمير

عشرات المقالات والدرسات المبدعة التي قدمها المفكر الإمارتي الكبير معالي الأستاذ على محمد الشرفاء الحمادي خلال السنوات الماضية التي قدم من خلالها  ” وصف موضوعي”  و” تشريح إستراتيجي”  للحالة السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعيشها العالم العربي ، والحقيقة أنه إستخدم كافة الوسائل لرفع وعي المواطنين والمسئوليين العرب بالتحديات والأخطار التي تحدق بأمتنا العربية ، فأرسل مدير ديوان الرئاسة السابق بدولة الإمارات العربية المتحدة الرسائل المباشرة للقادة العرب، وخاطب رؤساء القمم العربية المتتالية من خلال الخطابات الخاصة ، كما كتب القصائد الشعرية ” عروبة حائرة “من أجل شحذ الهمم وكشف المؤامرات التي تحاك ضد الإقليم العربي ، وبتحليل هذه الآراء المنشورة خلال السنوات الماضية يتأكد أننا أمام ” خريطة طريق ” وروشتة عملية”  لعلاج الأوضاع العربية ، فهو لم يكتف بتشخيص الواقع العربي بل صاغ مجموعة من المسارات السياسية والإقتصادية والأمنية تشكل ” تصور بانورامي متكامل ” يبدأ من كشف بواطن الخلل في العالم العربي وصولاُ للحلول والمخرجات الواقعية لبدء مرحلة جديدة من التعامل مع ” ألسنة اللهب ” التي تحيط بالأمة العربية  من كل إتجاه ، فما هي ” محاور الإرتكاز “في رؤية ” مارتن لوثر العرب ” للنهوض بالأمة العربية ؟ وكيف يمكن البناء على ما قدمة معالي الأستاذ على الشرفاء ليتبوأ عالمنا العربي المكانة اللائقة بين الأمم والشعوب ؟

الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها سيكون من خلال 5 مقالات نقرأ فيها الأفكار والمرئيات التي طرحها معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء لتطوير العمل العربي المشترك ، ولنبدأ برؤيته لتطوير الجامعة العربية التي مر على تأسيسها 75 عاماً في 22 مارس الماضي، فالوقع يؤكد أن كثيرون تحدثوا عن ضرورة تطوير عمل الجامعة العربية لتواكب التطورات والتحديات الدولية والأطماع الإقليمية التي تضغط على “الدولة الوطنية العربية ” وبالفعل كان هناك مشروعات كثيرة ومتواصلة لتكون جامعة الدول العربية على نفس مستوى المنظمات الإقليمية في العالم مثل الإتحاد الأوربي والإتحاد الأفريقي والأسيان والإتحاد الأوراسي وغيرها ، لكن ما قدمة معالي الأستاذ علي الشرفاء في مقالاته وأبحاثه وأخرها مقاله في الإسبوع الماضي بعنوان ” العرب مشغولون بحروب الكراهية والتنازع بينهم.. إلى متي؟  ومقاله الشهير مع بداية الألفية  في 15 يناير 2000  ” الأمة العربية والقرن الجديد ” تشكل الخطوات الأوضح نحو تفعيل العمل العربي المشترك عن طريق تطوير أداء وأدوات الجامعة العربية ، فطرح معالي الأستاذ علي الشرفاء خلال السنوات الماضية “بناء متكامل”  يعيد للجامعة العربية عصريتها وتوافقها مع تحديات القرن الحالي ، وأهم ما يجب التوقف عنده  ما يلي 

أولاً :المدير السابق لديوان الرئاسة بدولة الإمارات هو أول من أشار لخطورة عدم وجود” آلية عقابية ” في ميثاق جامعة الدول العربية على غرار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، فالإلتزام وعدم الإلتزام سواء فيما يخص قرارات الجامعة العربية ،لانه لا يوجد “نص عقابي”  واحد ضد المخالف لقرارات بيت العرب ،وهذا النص ضروري لنجاح أي منظمة سواء كانت إقليمية أو دولية ،  فالقرارات التي تصدر عن الأمم المتحدة والتي تستند للفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية تكون قرار ملزمة للجميع،  ويمكن لمجلس الأمن أن ينفذها بالقوة العسكرية إذا رفضت الأطراف المعنية تفيذها، هذا الإلزام غير موجود في ميثاق الجامعة العربية ، ويمثل ثغرة كبيرة  ، ولهذا يرى المفكر الإمارتي الكبير على محمد الشرفاء ضرورة أن يكون هناك بنود أو فصول  في ميثاق الجامعة العربية على غرار الفصل السابع حتى يعطي” القوة الإلزامية ” للقرارات الصادرة سواء كان الأمر على مستوى الوزراء أو القادة والرؤساء والملوك ، وهذا الأمر سيكون فيه رسالة واضحة لأعداء الأمة العربية ، فعندما يكون هناك قوة إلتزام من الدول العربية ذاتها فإنه سيمثل ضغط وتأثير كبير على الأخرين للعمل بهذه القرارات ، ويتعلق هذا أيضاً بأن القرارات الصادرة عن الجامعة العربية يجب تنفيذها من الجميع ، فبعد تعديل آلية التصويت في الجامعة من الإجماع إلى الأغلبية ترفض الدول التي لم تصوت على القرارات التي حازت على الأغلبية الإلتزام بها بدعو أنها لم تؤيدها أثناء الإجتماعات  ، وهذا الأمر غير موجود إلا في الجامعة العربية ، كما أن “تحفظ” دولة على بند أو فقرة لا يجب أن يكون سبباً في التنصل من تنفيذ هذه القرارات

ثانيا : دائما ما يشدد معالي الأستاذ على الشرفاء على ضرورة تبنى ميثاق جديد لجامعة الدول العربية ، فالميثاق الحالي تم وضعه في 22 مارس 1945 ، ومنذ ذلك التاريخ تغيرت الاولويات والتحديات ، ولذلك دائما ما يطالب بوضع ميثاق يتناسب مع التحديات الجديدة ويرسم خطوط واضحة لطبيعة العلاقات بين الدول العربية في جميع الظروف سواء كانت أوقات السلم أو الحرب ،  ولم يغفل معالي الأستاذ على الشرفاء  الدعوة لوضع إطار لإحتواء أي أزمات قد تنشب بين الدول العربية بشرط ان يكون الحل عربياً وسريعاً ومحصوراً بين القادة حتى لا يتدخل أعداء الأمة وتتفاقم الأوضاع  ، وأن تكون مدة الأمين العام لجامعة الدول العربية 3 سنوات لإعطاء الفرصة لروح ودم جديدة تخدم العمل العربي المشترك   

ثالثاً : يؤكد معالي الأستاذ على الشرفاء في جميع آرائه  على أن إهتمام الجامعة العربية بالسياسة على حساب الإقتصاد عطل فاعلية العمل العربي المشترك ، فكل المؤسسات الإقليمية والدولية الناجحة بدأت بالإقتصاد ووصلت لأعلى درجات التنسيق السياسي بعد ذلك  ، والإقتصاد هو ” الاسمنت ” الذي يربط الشعوب ببعضها البعض  ، فالإتحاد الأوربي مثلاً  لم يبدأ بالسياسة لكنه بدأ كتجمع لمنتجي الحديد والفحم وصيادي الاسماك وإتحاد المزارعيين الاوربيين ، ووصل الأمر لإتفاقية الشنجن وتأسيس إتحاد يضم اليوم 27 دولة،  وهناك 5 دول أخرى من البلقان مرشحة للدخول في الفترة القادمة ، ورغم توقيع وثيقة العمل الإقتصادي المشترك من جميع الدول العربية منذ أكثر من 45 عاماً إلا أن الأرقام تقول أن معدل التجارة البينية بين الدول العربية   ضعيفة للغاية

رابعاً  : أشار المفكر الإماراتي الكبير في كثير من المناسبات  إلى محور في غاية الأهمية وهو عدم وجود ” ذراع إنسانية للجامعة العربية ” فعدد اللاجئيين العرب سواء داخل الدول العربية أو خارجها أكثر بكثير من أي إقليم أخر في العالم ، كما أن الدول العربية من أكثر دول العالم عطاءً وسخاءً للمنظمات الإنسانية الدولية ، وكان الأفضل أن يتم التعامل مع هذه القضايا الإنسانية والتي تتلامس بشكل مباشر مع المواطن العربي من خلال كيان أو هيئة إنسانية أو إغاثية عربية ، فالإحصائيات تقول أن التبرعات التي تذهب للمنظمات الدولية يضيع منها 70 % للأعمال اللوجستية والمرتبات ولا يستفيد منها المواطن العربي ، وهو ما يؤكد أن تبرعات العرب لا تذهب للعرب

خامساً : يلفت المفكر الإماراتي الكبير إلى قضية حيوية للغاية وهي أن الجامعة العربية لا تملك ” أذرع تنفيذية ” لتنفيذ قرارتها ، فالجامعة لا تملك الجيوش أو قوات تدخل سريع أو حفظ سلام ، وحتى عندما طرح الرئيس السيسي تشكيل “القوة العربية” المشتركة في يناير 2015 لم يتفق العرب على ذلك رغم توقيع كل الدول العربية اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ 13 أبريل 1950

Comments

comments