السيسى ..على الشرفاء .. وحدانية الدعوة

  • بتاريخ :
د. أيمن سمير

خلال جلسة “دور قادة العالم في بناء واستدامة السلام”، بمنتدى شباب العالم الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ حاليا  دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى “تصحيح ” الخطاب الديني،  وقال تعليقاً على قتل الجماعات الإرهابية لـ7 أقباط كانوا في طريق العودة من زيارة أحد الأديرة ” بنتألم لسقوط أي مصري بحادث إرهابي وتصحيح الخطاب الديني  أصبح ضرورة”

فالرئيس السيسى كان أول زعيم عربي ومسلم يدعو إلى ” ثورة إسلامية ” على المفاهيم والتفسيرات المغلوطة التي يحاول البعض إلصاقها زوراً  وبهتاناً بالدين الإسلامي، وحديث الرئيس السيسى  عن الثورة الدينية  يعنى أن هناك أعلى درجة من ” الإرادة السياسية ” للقيام بهذه “الثورة التصحيحية  ” ضد كل ما تحاول ” الجماعات الظلامية ” إلصاقه بالإسلام ، وهذه الدعوة ليست جديدة ، فالرئيس السيسى دعا لهذه الثورة الدينية منذ عام 2015 ، وكرر هذه الدعوة في مناسبات كثيرة ، وهى دعوة تقع على عاتق المفكرين والمثقفين في العالم الإسلامي

في مقدمة المفكرين الذين تصدوا لهذه القضية الشائكة المفكر الإماراتي  الأستاذ على محمد الشرفاء الحمادي رئيس ديوان الرئاسة السابق بدولة الإمارات العربية  الشقيقة ، فقد كتب  علي الشرفاء عشرات المقالات في الصحف العربية والإسلامية التي تتصدى بحق لهذه الآفة التي لحقت بالعالم ، كما أصدر كتابه ” رسالة الإسلام- رحمة وعدل وحرية وسلام ” باللغتين العربية والإنجليزية من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة التي لحقت بصورة الإسلام المعتدل في السنوات الماضية

وفى تصوري أن أكثر المحاولات “جدية ” و” مهنية ” لمواجهة الفكر المتطرف جاءت من الأستاذ على الشرفاء لعدد من الأسباب منها :

1-   لا توجد دراسة كاملة لمواجهة الفكرة الخاطئة  بالفكر  الصحيحة إلا في كتاب على الشرفاء ” رسالة الإسلام : رحمة وعدل وحرية وسلام” لان الشرفاء في هذا الكتاب يضع يده على بيت الداء ومسكن الألم ، وهو أن هناك “خطاب إلهي”  جاء به القرآن الكريم يجب على كل المسلمين إتباع كل ما جاء فيه ، و”النص القرآني”  لا توجد به آية واحدة تدعو للقتل والذبح كما تقول داعش وأخواتها من الجماعات المتطرفة ، بينما “الخطاب الديني”  الذي يقوم على التفسير  المغلوط لبعض الأحاديث النبوية الشريفة من جانب ” أنصاف الجلاء ” هو ما يلصق بالإسلام هذه التفسيرات الخاطئة البعيدة كل البعد عن روح وقيم وحضارة الإسلام

2-   جميع المؤسسات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي تتعامل مع ظاهر القضية عن طريق إصدار بيانات إدانة واستنكار للحوادث الإرهابية ، وهذا طبيعي ، لكنه فى ذات الوقت ” هروب للأمام ” لان كل هؤلاء لم يفككوا ” القنابل الفكرية ” للتنظيمات الإرهابية  ،داعش مثلاً  أصدرت 65 كتاب ، وكان لها 49 الف صفحة على الانترنت تبرر فيها عملياتها التكفيرية،  ولم تجد هذه المجموعات التآمرية علي الإسلام  رد واضح وقاطع لمعتقداتها الخاطئة إلا في مقالات وكتاب على الشرفاء ، الجميع يدين ويشجب فقط،  لكن لم تكن هناك أى محاولات جادة لكشف تلاعب الجماعات الإرهابية بمعاني الأحاديث ، ولى التفسير بما يتفق مع الأهداف السياسية لهذه الجماعات المتشددة ، فمنذ صدور كتاب ” إدارة التوحش ” 2006 الذي قامت علية الجماعات الإرهابية مثل القاعدة وداعش لم يتصدى أحد لهذه الأفكار المتطرفة ،  ربما لان وراء هذا الكتاب ،  ووراء غيره من هذه الكتب المشبوهة مؤامرة غربية بإمتياز، خاصة أن ظهور مثل هذه الكتب تزامن مع مبادرات سياسية مشبوهة على غرار ” الشرق الأوسط الكبير ” الذي طرحته كوندليزاريس وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش الابن

3- الأستاذ على الشرفاء لم  يكتفى بتشخيص القضية فى التوضيح الكامل بين ” الخطاب الإلهي ” والخطاب الديني ، وأن كل المشكلات تأتى من التفسير الخاطئ للخطاب الديني لكنه وضع “روشتة ” للعلاج تتمثل فى دعوته لفضيلة  شيخ الأزهر الشريف ، ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف بأن يتبنى الأزهر “تشكيل مرجعية موحدة للدعوة الإسلامية ” عن طريق تشكيل لجنة من كبار العلماء والمفكرين لإعداد مشروع وثيقة بعنوان (الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام) لتصويب “الخطاب الديني”  الذي اتخذ الروايات مصدرا لتسويق الإسلام للناس، حيث تسبب ذلك في إعطاء صورة مشوه عن الإسلام بما يحمله ” الخطاب الديني”  من خطاب الكراهية والتعالي على بني البشر ، حيث يدعو الخطاب الديني لمحاربة غير المسلمين وقتلهم ، “فالاستعلاء “يقود إلى “الاستحلال”  وبالتالي استحلال أموال غير المسلمين و نسائهم واستباحت حرماتهم

4 – ما دعا إلية الرئيس السيسى بأن المسلمين لا يمكن أن يقتلوا غير المسلمين فى الكرة الأرضية البالغ عددهم ” 4.5 مليار غير مسلم ” يتفق مع جوهر دعوة الأستاذ على الشرفاء التي تدعو لوضع “مرجعية دعوية”  تقوم على التفرقة بين الخطاب الإلهي  الذي جاء به القرآن الكريم من سماحة وقبول للأخر ورفع لشأن التعددية ، وإعلاء لقيم الحوار والنقاش  ، في مقابل ” الخطاب الديني”  وهو مجمل أراء ” الدعاة السياسيين ” الذين يروجون لأفكار لم يعرفها الإسلام على الإطلاق ، والتي تدعو للقتل والنحر والذبح والحرق ، والنتيجة كانت القاعدة وداعش وأخواتها  

5- تشكل دعوة الأستاذ على الشرفاء لوضع خط فاصل بين ” الخطاب الديني ” والخطاب الإلهي استجابة حقيقة لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لتصحيح  الخطاب الدينى ، لان الخطاب الإلهي للناس كافة انزله الله على رسوله عليه الصلاة والسلام في قرآن مبين ليبلغه للناس كافة وكلفه سبحانه في قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)  (المائدة: 67) 

لكل هذه الأسباب يمكن أن تبدأ مؤسسات الدولة المصرية بالتعاون مع الأستاذ على الشرفاء بتحويل الأفكار التي جاء بها (كتاب رسالة الإسلام : رحمة وعدل وحرية وسلام ) للإسراع في إعداد وثيقة بعنوان (الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام)ليتم الرجوع إليها في المناهج التعليمية والخطابات الإعلامية والدعوية لنزع الأفكار المتطرفة من عقول الشباب ، كما تشكل هذه الوثيقة الأساس الفكري لكل من يريد تصحيح ” الخطاب الديني ” على مستوى العالم ، فكثير من الدول الإسلامية والعربية وحتى الغربية تسعى لرؤية متكاملة للتعامل مع الأفكار المتطرفة ، ومؤخراً طالب الإتحاد الأوربي من خلال تقرير لمفوض الإتحاد الأوربي  لمكافحة الإرهاب بضرورة التعاون مع الدول الإسلامية لوضع رؤية لمكافحة التشدد بعد أن  أكد الإتحاد الأوربي وجود  أكثر من 50 ألف داعشى على الأراضي الأوربية ، بالإضافة إلى وجود 23 ألف داعشى  دخل السجون الأوربية يخشى أن يخرجوا منها أكثر تطرفاً ، ويشكل وجود مرجعية موحدة للدعوة الإسلامية تفصل بين الخطاب الدينى والخطاب الإلهي وسيلة لإنقاذ هؤلاء الشباب الذين يتم استخدامهم فى أجندات سياسية لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد

تزداد أهمية تحويل دعوة الرئيس السيسى لتصحيح الخطاب الديني  إلى واقع من خلال ” الآلية التنفيذية ” المتمثلة في أفكار الأستاذ على الشرفاء فى ظل عودة الجماعات الإرهابية فى ثوب جديد أكثر تطرفاً وتشدداً ، فداعش عادت تستولي على الأراضي من جديد على الحدود العراقية السورية ، والعمليات الإرهابية زادت وتيرتها في الفترة الأخيرة ، لأن الحرب ليست حرب أمنية وعسكرية فقط رغم أهميتها ، فكسب ” العقول والقلوب ” من خلال معركة “الأفكار الصحيحة”  هي المؤشر الحقيقي للانتصار الكامل على الإرهاب ، فقبل داعش كانت القاعدة ، وقبل القاعدة كانت الجماعات المتطرفة فى السبعينيات والثمانينيات ، وهناك موجة جديدة تسمى ” تنظيم خرسان ” وهكذا ، لأن الفكرة الخاطئة موجودة ، وقتل الإرهابيين لا يضمن ظهور إرهابيين جدد ، بينما تصحيح الفكرة الخاطئة هي عنوان القضاء على الإرهاب ، فالإرهابي قبل أن يحمل بندقية أو قنبلة يحمل ” فكرة خاطئة ”

لذلك أرجو من الدولة المصرية أن تتبنى الرؤية التي قدمها الأستاذ على الشرفاء “كاستجابة موضوعية”  لدعوة الرئيس السيسى لتصحيح الخطاب الديني حتى تسود “ثقافة الحياة”  بعيداً عن “ثقافة الموت”  التي يروج لها الإرهابيون

Comments

comments