الرياض وأثينا … شراكة في القيم وتعظيم للمصالح

  • بتاريخ :

يوماً بعد يوماً تترسخ ” المقبولية السعودية ” ويتوسع حضورها وزخمها في كل أقاليم العالم ، الجميع يتسابق للشراكة في القيم والمصالح مع القيادة السعودية التي نجحت في جعل المملكة  ” الرقم الصعب ” في معادلة البناء و الاستقرار والرخاء  ليس فقط في جنوب غرب أسيا والمنطقة العربية والشرق الأوسط بل في العالم أجمع

ورسمت زيارة صاحب السمو الملكي  الأمير محمد بن سلمان – ولي العهد ، نائب رئيس الوزراء ، وزير الدفاع – إلى اليونان، ترسم معالم ” شراكة إستراتيجية ” جديدة بين الرياض وأثينا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية خاصة في ظل حرص رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس على تحقيق ” نقلة نوعية ” و ” طفرة كبيرة ” في العلاقات السعودية اليونانية ، فبعد الجولة الناجحة لسمو ولي العهد في دول الخليج العربي ، وزياراته لكلا من مصر والأردن وتركيا ، وقمة جدة للأمن والتنمية ، تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان لليونان لتصنع معالم ” جغرافية جديدة ” من المصالح والتعاون والشراكة تبدأ من منطقة الخليج والمنطقة العربية وغرب آسيا وصولاً إلى اليونان التي تقع في قلب الإتحاد الأوربي وحلف الناتو ، فما هي آفاق التعاون بين السعودية واليونان ؟ وكيف يمكن البناء على تلك العلاقات لتحقيق قيمة مضافة للعلاقات اليونانية السعودية بما يساهم في مزيد من الاستقرار واكتشاف مساحات جديدة من الشراكة والمصالح بين الرياض وأثينا ؟

” فيليا ” السعودية واليونانية

كلمة ” فيليا ” في اللغة اليونانية تعني الصداقة ، وفي مؤتمر ” فيليا الأول ”  الذي استضافته اليونان في 11 فبراير 2021 تحت عنوان  ” بناء الصداقة والسلام والازدهار من البحر المتوسط إلى الخليج” الذي شاركت فيه السعودية بجانب  4 دول عربية هي الإمارات ومصر والأردن والبحرين، اتفقت فيه السعودية واليونان على العمل لزيادة مساحة التنسيق المشترك ليس فقط من أجل مواجهة التحديات المشتركة بل واكتشاف الفرص الهائلة التي تنتظر البلدين الصديقين حيث تشهد العلاقات السعودية اليونانية تطورات غير مسبوقة منذ القمة التي جمعت رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس في 25 أكتوبر 2021 بالرياض، مع خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان ، وهو ما يكشف الإرادة السياسية الواضحة لدى السعودية واليونان لاستكشاف مزيد من الفرص وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية في ظل وجود رؤية مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ، واحترام القانون الدولي ، فما هي ” الروافع السياسية والاقتصادية والعسكرية ” التي يمكن أن تعزز العلاقات السعودية اليونانية بما يخدم مصالح البلدين والشعبين ؟

أولاً : تنظر اليونان للمملكة العربية السعودية باعتبارها ” قوة الاستقرار ” في  المنطقة العربية والشرق الأوسط بما لدى قيادتها من حكمة وحضور وتأثير ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي بل على المستوى الدولي ، وترى أثينا في الرياض ” محور التفاعلات ” السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، ولهذا تعمل الحكومة اليونانية بكل ما تملك على تطوير وتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية  

ثانياً : ترى اليونان في الشراكة والتعاون مع السعودية باعتبارها  فرصة لرسم ” جغرافية مصالح جديدة ” تبدأ من منطقة الخليج وتمر بشرق المتوسط وصولاً إلى شرق وجنوب شرق أوربا، وتنطلق الرؤية اليونانية لتلك المنطقة  باعتبارها ” الكتلة الحرجة ” في معادلة التوازن والمصالح الإقليمية انطلاقا من الأهمية ” الجيوسياسية”  و” الجيو اقتصادية ” لمنطقة الخليج ذات الأهمية الحيوية لأمن الطاقة بجانب منطقة شرق المتوسط التي تأكد أنها  تضم احتياطيات غاز هائلة، وفق هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، ومن هنا وقعت اليونان في 20 أبريل 2021 مذكرة تفاهم مع مجلس التعاون الخليجي وقعها وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ديندياس مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي نايف الحجرف بهدف تعزيز التعاون والمصالح المشتركة بين الطرفي، ولهذا تسعى اليونان لتكون جسراً للتعاون بين الدول الخليجية والعربية وشرق المتوسط والبلقان وأوروبا، كما قال وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ديندياس، في أثينا يوم 12 فبراير الماضي

ثالثاً : تكتسب اليونان مكانة هامة في مستقبل العلاقات السعودية الأوربية لعدد من الأسباب أبرزها أن اليونان عضو قديم في حلف الناتو منذ عام 1952 ، كما أنها عضو في الإتحاد الأوربي منذ عام 1981، وجاء قرار نشر ” منظومة باتريوت” اليونانية في السعودية ليؤكد المدى الإستراتيجي الذي ينتظر العلاقات اليونانية السعودية بعد أن قررت أثينا  في سبتمبر 2021 إرسال منظومة صواريخ “باتريوت” مع عدد 120 جندياً من قوات الجناح القتالي 114 ، وذلك تنفيذاً لاتفاقية جرى توقيعها في أبريل 2021 ، ويعبر هذا الموقف اليوناني من السعودية عن إرادة سياسية خالصة تعمل من خلالها الحكومة اليونانية بالشراكة مع السعودية للحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج، وتوطيد علاقاتها بالسعودية، حسب ما قاله المتحدث باسم الحكومة اليونانية، ستيليوس بيتساس، كما تعزز هذا التوجه بشكل أعمق عندما شاركت طائرات ” أف 16 سي ” السعودية في المناورات التي استضافتها قاعدة “سودا” الجوية التابعة للناتو بجزيرة كريت، في مارس 2021  ضمن مناورات “عين الصقر 1″، والتي كانت عنوان للشراكة والتعاون العسكري الجديد بين أثينا والرياض، ويتناغم هذا مع التوجه الجديد للسياسة الخارجية اليونانية مع توقيع اتفاقية “الشراكة الإستراتيجية”  ومذكرة “التعاون في مجال السياسة الخارجية والدفاعية ” مع دولة الإمارات العربية المتحدة  في18 نوفمبر 2020 ، وهو الأمر الذي يدعم الاستقرار والرخاء في منطقة الخليج

رابعاً : تتفق السعودية واليونان في رؤية متقاربة تقوم على تفضيل الحلول السياسية والسلمية ، ومكافحة التطرف والإرهاب، واحترام خصوصية وثقافة وهوية كل دولة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، كما يتفق البلدين على دعم الجهود الدولية الرامية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، والتصدي للتجاوزات الإيرانية التي تتناقض مع ما تعلنه طهران من سلمية برنامجها النووي، وهذه القيم ساهمت في الطفرة الكبيرة في نمو العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين خلال الفترة القصيرة الأخيرة

خامساً : لا يقتصر الدعم اليوناني للقضايا السعودية والخليجية بل تدعم اليونان مختلف القضايا العربية،  وفي مقدمتها قضية العرب المركزية ، فاليونان تذكر في وثائقها ” دولة فلسطين”  وليس السلطة الوطنية الفلسطينية مثل باقي الدول الأوربية ، وذلك منذ أن  تبني البرلمان اليوناني بالإجماع قراراً يدعو الحكومة اليونانية إلى الاعتراف بدولة فلسطين في ديسمبر 2015 في عهد رئيس الوزراء السابق السكسيس تسيبراس الذي أطلق رسمياً اسم فلسطين في الوثائق اليونانية ليحل محل “السلطة الفلسطينية” ، كما تم الاتفاق بين اليونان وجامعة الدول العربية على تأسيس “آلية لتعزيز العلاقات العربية اليونانية” ، والحفاظ على دورية التشاور السياسي بين الطرفين، وفق بيان لجامعة الدول العربية في 8 مارس 2021

سادسا : تدعم اليونان جهود السعودية في التحول نحو الطاقة الخضراء ، وأعلنت دعمها الكامل للفرص التي توفرها مبادرتا “السعودية الخضراء” و “الشرق الأوسط الأخضر”

سابعا:  تشهد العلاقات الاقتصادية طفرة كبيرة أكدتها الزيارة التي قام بها وزير الاستثمار المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح للعاصمة اليونانية أثينا في 30 مايو الماضي لحضور”  منتدى الاستثمار السعودي اليوناني ” برئاسة المهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، وأدونيس جورجيادس، وزير التطوير والاستثمار اليوناني، وكوستاس فراجوييانيس، وزير خارجية اليونان للدبلوماسية الاقتصادية والانفتاح، وأتفق فيه الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات الاستثمار المشترك والتجارة والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية والرقمنة، وفق وزارة الاستثمار السعودية التي قالت أن هناك 14 شركة يونانية بالسوق السعودي ، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.8 مليارات يال سعودي ، كما توفر ” رؤية المملكة 2030 ” فرص هائلة لنمو الاستثمار والتجارة المشتركة بين البلدين ، بحسب وزير الاستثمار السعودي ، وسبق لإتحاد الغرف التجارية السعودية واتحاد الشركات اليونانية أن وقعا عام 2021 بالعاصمة اليونانية أثينا، مذكرة تفاهم لتأسيس مجلس أعمال سعودي يوناني، في خطوة أكدت توجه البلدين نحو تعزيز التجارة البينية وزيادة حجم التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين الصديقين

Comments

comments